رام الله - قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن قراءة قرارات «مناطق النفوذ» الصادرة عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تكشف توظيف هذه المناطق باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية للسيطرة المكانية على الأراضي الفلسطينية، باعتبارها حلقة تصل بين الاستيلاء على الأرض وعمليات التخطيط والبناء والتوسع الاستيطاني.
وأوضحت الهيئة أن تحديد منطقة النفوذ لا يقتصر على وضع حدود إدارية للمستوطنة، وإنما يمنحها مساحة إضافية يمكن استخدامها مستقبلاً للتوسع، ويفتح المجال أمام إعداد المخططات الهيكلية والتفصيلية، وتطوير الطرق والبنية التحتية، وتخصيص الأراضي للمباني العامة والمناطق التجارية والصناعية.
وأضافت أن هذه الإجراءات يمكن أن تمتد لاحقاً إلى طرح العطاءات وإقامة الوحدات الاستيطانية، بما يحول الأراضي الواقعة ضمن حدود مناطق النفوذ، حتى في حال بقائها غير مبنية مؤقتاً، إلى مناطق خاضعة لمنظومة التخطيط الاستيطاني ومقيدة أمام التطور العمراني الفلسطيني.
67 منطقة نفوذ خلال عام واحد
وأشارت معطيات الرصد والتوثيق لدى الهيئة إلى اعتماد 67 منطقة نفوذ جديدة ومعدلة خلال عام 2026، بلغت المساحة الكاملة لمضلعاتها 138,076.389 دونماً.
وتوزعت هذه القرارات على أربع دفعات خلال العام، بواقع: منطقة واحدة في 4 كانون الثاني/يناير، 16 منطقة في 5 آذار/مارس، 27 منطقة في 31 أيار/مايو، 23 منطقة في 25 آب/أغسطس.
وبحسب الهيئة، تركزت 50 منطقة نفوذ بمساحة إجمالية بلغت 101,556.853 دونماً في دفعتَي أيار/مايو وآب/أغسطس وحدهما.
وترى الهيئة أن هذا التركز الزمني والجغرافي يشير إلى أن العملية لم تعد تقتصر على تعديلات إدارية منفردة مرتبطة بمستوطنة بعينها، وإنما اتخذت شكل موجات متزامنة تهدف إلى إعادة تنظيم الخريطة الاستيطانية على مستوى الضفة الغربية.
من الحدود الإدارية إلى التوسع الاستيطاني
وأوضحت الهيئة أن «منطقة النفوذ» تمثل إجرائياً مضلعاً جغرافياً تمارس داخله المجالس الاستيطانية صلاحياتها البلدية والإدارية، بما يشمل تقديم الخدمات وإدارة الموارد والطرق وفرض الأنظمة المحلية.
كما تشكل المنطقة الإطار المكاني الذي يمكن من خلاله دفع عمليات التخطيط والتطوير، وهو ما يجعل اعتمادها خطوة أساسية في مسار توسع المستوطنات وتثبيت بنيتها التحتية.
وتستند هذه الحدود، وفق الهيئة، إلى منظومة الأوامر العسكرية الإسرائيلية، ومن بينها الأمر رقم 783 لسنة 1979 المتعلق بالمجالس الإقليمية، والأمر رقم 892 لسنة 1981 المتعلق بالمجالس المحلية، فيما يجري تحديد الحدود من خلال خرائط وأوامر يوقعها قائد المنطقة.
تمهيد لضم البؤر وتوسيع المستوطنات
وأكدت الهيئة أن اعتماد منطقة النفوذ لا يعني بحد ذاته نقل ملكية الأرض أو المصادقة النهائية على مخطط بناء، إلا أنه ينشئ الإطار الإداري الذي يمكن من خلاله توسيع المستوطنة وضم البؤر الاستيطانية وإدارة الأرض الواقعة داخل المنطقة لمصلحتها.
وشددت على أن المساحة المحتسبة في بيانات مناطق النفوذ تمثل كامل مساحة المضلع المنشور، ولا تعني بالضرورة صافي المساحة التي أضيفت إلى حدود المنطقة السابقة.
وترى الهيئة أن خطورة هذه الإجراءات تكمن في كونها تسبق في كثير من الحالات مراحل البناء الفعلي، إذ تضع الأرض ضمن مجال التخطيط الاستيطاني، وتوفر الإطار الذي يمكن أن تُنفذ داخله لاحقاً مشاريع الطرق والبنية التحتية والمرافق والوحدات الاستيطانية.
خريطة استباقية للمشروع الاستيطاني
وقالت الهيئة إن خطوة تحديد مناطق النفوذ أو توسيعها لا تقل أهمية، من حيث تأثيرها على الجغرافيا الفلسطينية، عن إعلانات «أراضي الدولة» أو عمليات المصادرة أو إقرار المخططات والعطاءات.
وأوضحت أن مناطق النفوذ ترسم الإطار المكاني الذي تتحرك داخله هذه الإجراءات مجتمعة، وتقدم مؤشراً مبكراً على الاتجاهات المستقبلية للتوسع الاستيطاني.
ومن خلال تحليل اتجاهات مناطق النفوذ ومدى اتصالها بالطرق والمستوطنات القائمة والمواقع الاستيطانية الجديدة، يمكن، بحسب الهيئة، استشراف التكتلات التي تعمل سلطات الاحتلال على تشكيلها، والفراغات التي تسعى إلى ملئها، والمحاور التي تخطط لربطها، إضافة إلى التجمعات الفلسطينية التي قد تصبح مهددة بالحصار والعزل.
وبهذا المعنى، ترى الهيئة أن خريطة مناطق النفوذ لا تعكس الواقع القائم فقط، وإنما تقدم خريطة استباقية لما تخطط سلطات الاحتلال لفرضه على الأرض مستقبلاً.
مسار متكامل للسيطرة على الأراضي
وتشير المعطيات التي وثقتها الهيئة إلى أن توسيع مناطق النفوذ أصبح جزءاً من مسار أوسع للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، يجمع بين التخطيط المكاني وتطوير البنية التحتية وتوسيع المستوطنات وربطها بالطرق والمواقع الاستيطانية الأخرى.
وتؤكد الهيئة أن قراءة هذه القرارات بصورة منفصلة قد تخفي آثارها بعيدة المدى، فيما يكشف جمعها وتحليلها زمنياً ومكانياً عن عملية أكثر اتساعاً لإعادة تشكيل الجغرافيا في الضفة الغربية بما يخدم المشروع الاستيطاني.
الوضع القانوني للأراضي المحتلة
وفي الجانب القانوني، أكدت الهيئة أن إجراءات تحديد مناطق النفوذ لا تمنح دولة الاحتلال سيادة أو حقاً مشروعاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما لا تغير من الوضع القانوني للاستيطان وفق القانون الدولي.
وأشارت إلى أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يتعارض مع أحكام القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك المادة 49/6 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.
وتأتي هذه القرارات في سياق متواصل من الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع نطاق السيطرة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، من خلال أدوات قانونية وعسكرية وتخطيطية متداخلة، بما يرسخ واقعاً استيطانيا متدرجاً على الأرض.







