نيويورك - أجرى مجلس الأمن الدولي، الجمعة، جولة ثانية من التصويت الاسترشادي السري لاختبار حظوظ المرشحين لشغل منصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، في سباق يزداد تعقيداً مع استمرار الانقسامات بين أعضاء المجلس، ولا سيما القوى الخمس دائمة العضوية.
وأفادت ثلاثة مصادر مطلعة بأن الجولة الثانية من الاقتراع غير الرسمي شهدت تقدماً طفيفاً لمرشحة غيانا كارولين رودريغيز-بيركيت، بعدما كانت الجولة الأولى التي أجريت في 30 يوليو الماضي قد أظهرت تقدماً مبكراً لريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة والرئيسة الحالية لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
ولم تعلن النتائج التفصيلية للجولة الثانية من التصويت، فيما أكد دبلوماسيون أن الحديث عن توافق حول مرشح محدد لا يزال مبكراً، في ظل استمرار المنافسة بين ثمانية مرشحين، بينهم خمس نساء وثلاثة رجال.
وتنتهي ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، ما يدفع الأمم المتحدة إلى تسريع المشاورات غير الرسمية تمهيداً للانتقال إلى المراحل الرسمية من عملية الاختيار.
غرينسبان تتصدر الجولة الأولى
كانت ريبيكا غرينسبان قد تصدرت الجولة الأولى من التصويت الاسترشادي، متقدمة على كارولين رودريغيز-بيركيت والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.
وتشير نتائج الجولتين حتى الآن إلى منافسة قوية بين عدد من الأسماء، من دون أن يبرز مرشح يمتلك أفضلية حاسمة تمكنه من ضمان دعم الدول الأعضاء الدائمة في المجلس.
ويُنظر إلى غروسي باعتباره أحد أبرز الأسماء المعروفة دولياً في السباق، بحكم رئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية وخبرته الطويلة في الملفات الدبلوماسية والأمنية، إلا أن دبلوماسيين يحذرون من أن شهرة المرشح لا تعني بالضرورة قدرته على جمع الأصوات المطلوبة.
كيف يختار مجلس الأمن الأمين العام؟
يجري أعضاء مجلس الأمن، وعددهم 15 دولة، التصويت الاسترشادي في جلسات مغلقة، من خلال تقييم كل مرشح عبر خيارات تشمل "التشجيع" أو "عدم التشجيع" أو عدم إبداء رأي.
ولا يمثل هذا التصويت عملية انتخاب رسمية، لكنه يُستخدم لقياس فرص المرشحين وتحديد الأسماء التي يمكن أن تحظى بتوافق أوسع خلال المراحل اللاحقة.
ويحتاج المرشح عملياً إلى الحصول على دعم تسع دول أعضاء على الأقل في مجلس الأمن، مع تجنب استخدام حق النقض من جانب أي من الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا.
وبعد اتفاق مجلس الأمن على مرشح، يُحال الاسم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت عليه والمصادقة على تعيينه.
امرأة قد تتولى المنصب للمرة الأولى
يكتسب السباق الحالي أهمية إضافية بسبب الحضور النسائي القوي بين المرشحين، إذ تدفع دول عدة باتجاه اختيار امرأة للمرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة لمنصب الأمين العام.
وتتصدر النساء غالبية قائمة المرشحين، ومن بينهن غرينسبان، ورودريغيز-بيركيت، والرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا، إلى جانب الدبلوماسية الإكوادورية من أصول لبنانية إيفون عبد الباقي.
ويأتي ذلك في ظل عرف غير رسمي يقضي بالتناوب الجغرافي على المنصب، مع ترجيح أن يكون الأمين العام المقبل من منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي.
انقسامات القوى الكبرى تعقد السباق
ويجري اختيار الأمين العام المقبل في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للأمم المتحدة، التي تواجه أزمات متصاعدة مرتبطة بالحروب والنزاعات الدولية وتراجع العمل متعدد الأطراف، فضلاً عن ضغوط مالية متزايدة.
كما تلقي الخلافات بين القوى الكبرى بظلالها على عملية الاختيار، خصوصاً أن أي مرشح يحتاج إلى تجنب اعتراض إحدى الدول الخمس دائمة العضوية.
وأشار مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إلى احتمال ظهور مرشحين جدد، فيما يرى محللون أن الدول دائمة العضوية قد تنتظر اتضاح مسار المنافسة قبل الكشف عن مواقفها الحقيقية.
وفي السياق ذاته، طالبت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك بمزيد من الشفافية في عملية اختيار الأمين العام، وهي دعوة أثارت اعتراضات من الولايات المتحدة وروسيا، اللتين اعتبرتا أن الجمعية العامة لا ينبغي أن تتجاوز الأدوار المحددة لها في هذه المرحلة.
إيفون عبد الباقي تدخل السباق متأخرة
ومن بين الأسماء التي دخلت المنافسة في وقت متأخر الدبلوماسية الإكوادورية من أصول لبنانية إيفون عبد الباقي، البالغة 75 عاماً، والتي أعلنت ترشحها رسمياً بدعم من مملكة تونغا.
وعرضت عبد الباقي خلال لقاءاتها مع الجمعية العامة ومجلس الأمن رؤيتها لإعادة تنشيط دور الأمم المتحدة، مستندة إلى تجربتها الشخصية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، التي قالت إنها عاشتها في بيروت مع أطفالها.
وتتعهد عبد الباقي، في حال انتخابها، بإعطاء أولوية لمنع النزاعات والعمل الميداني في مناطق الأزمات، إضافة إلى الدفع نحو إصلاح مجلس الأمن ليصبح أكثر تمثيلاً للتوازنات الدولية الحالية.
وسبق لعبد الباقي أن شغلت منصب وزيرة التجارة الخارجية في الإكوادور، وكانت أول امرأة تمثل بلادها سفيرة لدى الولايات المتحدة، كما عملت سفيرة في فرنسا وقطر.
سباق مفتوح لأشهر مقبلة
ومع عدم ظهور مرشح قادر حتى الآن على حسم السباق، يرجح أن تستمر جولات التصويت الاسترشادي خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة بين الدول الأعضاء.
ويظل العامل الحاسم في النهاية هو موقف الدول الخمس دائمة العضوية، إذ يمكن لأي منها تعطيل وصول مرشح إلى المنصب باستخدام حق النقض.
وبذلك، لا تعكس نتائج التصويت الحالية بالضرورة الترتيب النهائي للمرشحين، لكنها تكشف عن ملامح المنافسة الأولية وتؤكد أن معركة خلافة غوتيريش لا تزال مفتوحة، وسط احتمال استمرار البحث عن شخصية قادرة على جمع توافق دولي واسع في مرحلة تواجه فيها الأمم المتحدة واحدة من أصعب أزماتها السياسية والمالية.







