تل أبيب - طرح رئيس قائمة «بياحد»، نفتالي بينيت، اليوم الأربعاء، ملامح ما وصفه بـ«المفهوم الأمني» الذي سيعتمده في حال تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، مقدمًا نفسه بوصفه بديلًا أمنيًا لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، معتبراً أن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كشف انهيار مفهوم أمني إسرائيلي كامل.
وفي خطاب انتخابي، قال بينيت إن ما انهار في 7 أكتوبر لم يكن فقط خط الدفاع الإسرائيلي في مواجهة قطاع غزة، وإنما «مفهوم أمني كامل» قال إن نتنياهو اعتمده على مدى سنوات. وتعهد، في حال انتخابه رئيسًا للحكومة، بـ«كسر أربعة تصورات» أمنية، وفق ما عرضه في خطابه.
ويأتي طرح بينيت في وقت تتصدر فيه القضايا الأمنية والعسكرية جدول أعمال الانتخابات الإسرائيلية، وسط استمرار الحرب وتداعياتها الإقليمية، وتصاعد النقاش الداخلي بشأن إخفاقات 7 أكتوبر ومسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عنها.
استهداف إيران ردًا على هجمات حزب الله
في مقدمة التغييرات التي يقترحها بينيت، تغيير المعادلة التي تحكم العلاقة بين إسرائيل وإيران وحزب الله.
وقال إن إسرائيل، وفق المعادلة الحالية، تتعرض لهجمات إيرانية بصورة غير مباشرة أو تواجه إطلاق نار من حزب الله، بينما تنفذ هي عمليات ضد أهداف مرتبطة بمحور إيران في لبنان أو ساحات أخرى.
وبحسب بينيت، فإن المعادلة التي يريد اعتمادها تقضي بأن «أي إطلاق نار من جانب حزب الله سيؤدي إلى أن نستهدف إيران»، في طرح يرفع مستوى الرد الإسرائيلي من التعامل مع الوكيل الإقليمي إلى تحميل طهران المسؤولية المباشرة.
ويعكس هذا الطرح توجهًا نحو توسيع نطاق الردع الإسرائيلي ليشمل إيران بصورة مباشرة، بدل حصر الردود العسكرية في الساحات التي تنطلق منها الهجمات.
قطر وتركيا في صلب التصور الجديد
وفي محور آخر، هاجم بينيت سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه قطر، قائلًا إنه في حال توليه رئاسة الحكومة لن يتعامل معها باعتبارها «دولة معقدة»، وإنما سيصنفها «دولة عدو».
وربط بينيت هذا الموقف بما يعتبره إخفاقًا في التعامل مع تداعيات 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أن من لا يتبنى هذا التغيير في التعامل مع قطر «لا يستحق أن يقود إسرائيل»، في انتقاد ضمني لمواقف منافسين سياسيين، من بينهم رئيس قائمة «يشار» غادي آيزنكوت.
كما انتقد دور تركيا وقطر في قطاع غزة، وقال إن إسرائيل تسمح لهما، وفق توصيفه، بالحفاظ على نفوذ داخل القطاع والمشاركة في ترتيبات سياسية مرتبطة به.
وتعهد بـ«إخراج تركيا وقطر من غزة» وإدخال مصر بدلًا منهما، مع الإبقاء على ما وصفه بـ«حرية العمل» الإسرائيلية في القطاع.
تحويل السلاح غير المرخص داخل إسرائيل إلى قضية أمنية
أما التصور الرابع الذي عرضه بينيت، فيتعلق بانتشار الأسلحة غير المرخصة داخل إسرائيل.
وقال إن نحو نصف مليون قطعة سلاح غير قانونية موجودة داخل حدود إسرائيل، متعهدًا بالتعامل مع الظاهرة باعتبارها «خطرًا أمنيًا وليس جنائيًا».
ويقترح بينيت استخدام الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك» في مواجهة هذه الظاهرة، إلى جانب إعلان المناطق التي توجد فيها مثل هذه الأسلحة مناطق عسكرية مغلقة إلى حين تنفيذ عمليات لمصادرتها.
ويطرح هذا التصور توسيعًا لدور الأجهزة الأمنية والعسكرية في التعامل مع ملف داخلي يُعالج عادة عبر أجهزة الشرطة وإنفاذ القانون.
بينيت يستحضر تجربته الحكومية السابقة
وفي سياق الدفاع عن سجله الأمني، قال بينيت إن حكومته السابقة تمكنت من تغيير «المعادلة» في مواجهة غزة، مدعيًا أنها ردت على إطلاق البالونات الحارقة بصورة أكثر شدة، وأن ذلك أدى إلى ما وصفه بـ«السنة الأكثر هدوءًا» لبلدات جنوب إسرائيل منذ سنوات.
وقال إن «حكومة 7 أكتوبر لا تزال أسيرة تصور 6 أكتوبر»، في إشارة إلى ما يعتبره استمرار الحكومة الحالية في اتباع السياسات الأمنية التي كانت سائدة قبل الهجوم.
وكان بينيت قد تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية خلال عام 2021 ضمن حكومة ائتلافية، قبل أن تنتهي ولايتها وتعود حكومة نتنياهو إلى السلطة.
التجنيد الإجباري للحريديين
وتضمن خطاب بينيت أيضًا موقفًا متشددًا بشأن تجنيد اليهود الحريديين في الجيش الإسرائيلي.
وانتقد موقف رئيس الشاباك السابق والمرشح في قائمة آيزنكوت، يورام كوهين، بشأن إمكانية إعفاء نحو 30% من الحريديين من الخدمة العسكرية.
وقال بينيت إنه سيعمل على تجنيد الجميع «من دون إعفاءات»، مضيفًا أنه يريد الانتقال من نموذج «جيش صغير وذكي» إلى «جيش كبير ومبادر وفتاك».
ويأتي هذا الموقف في ظل أزمة سياسية واجتماعية متصاعدة حول تجنيد الحريديين، والتي أصبحت واحدة من أبرز الملفات الداخلية المؤثرة في مستقبل الائتلافات السياسية الإسرائيلية.
الذكاء الاصطناعي باعتباره «سلاح المستقبل»
وفي جانب آخر من خطابه، جعل بينيت تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي جزءًا من مفهومه للأمن القومي.
وقال إن الذكاء الاصطناعي سيكون «سلاح المستقبل»، وإن أهميته قد تتجاوز في المستقبل قدرات السلاح النووي، معتبرًا أن التنافس في هذا المجال سيكون بمثابة «سباق التسلح المقبل» بين الدول الكبرى.
وانتقد الحكومة الحالية، معتبرًا أنها تأخرت في تطوير قدرات إسرائيل في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، وتعهد بعدم السماح لإسرائيل بأن تتخلف عن الدول الأخرى في سباق التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي.
منافسة على صورة «البديل الأمني»
ويأتي خطاب بينيت في ظل تنافس متصاعد بين الأحزاب الإسرائيلية على تقديم نفسها باعتبارها القادرة على إدارة المرحلة التي أعقبت 7 أكتوبر، وليس فقط باعتبارها بديلًا سياسيًا لنتنياهو.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن قائمة «بياحد» برئاسة بينيت تحتل موقعًا متقدمًا في الخارطة الانتخابية، فيما يتنافس بينيت مع قوى أخرى، بينها قائمة «يشار» برئاسة غادي آيزنكوت والليكود برئاسة نتنياهو، على تقديم رؤية مختلفة لمستقبل الأمن الإسرائيلي.
لكن طرح بينيت يظهر أن المنافسة على استبدال نتنياهو لا تعني بالضرورة تبني توجه أقل عسكرية؛ إذ يقوم برنامجه المعلن على توسيع الردع، وتحميل إيران مسؤولية مباشرة عن هجمات حلفائها، وتشديد التعامل مع قطر وتركيا، وتوسيع نطاق استخدام الأجهزة الأمنية، وتعزيز القدرات العسكرية والتكنولوجية.
وبذلك، يبدو أن أحد محاور الانتخابات المقبلة سيكون الصراع على تعريف «مفهوم الأمن» الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر: هل يكون التغيير عبر تبديل القيادة والسياسات، أم عبر تبني مقاربة أكثر هجومية تجاه الخصوم الإقليميين؟ ويقدم بينيت، في خطابه الأخير، إجابة واضحة تميل إلى الخيار الثاني.







