تل أبيب - أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عن غارة جوية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب شمال غربي سورية، في تطور أثار مخاوف أميركية من احتمال انزلاق التوتر بين إسرائيل وتركيا وسورية إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وقال توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لإدارة الرئيس دونالد ترامب إلى سورية، إن الغارة التي نُفذت مساء الثلاثاء كانت تنطوي على "خطر حقيقي" للتصعيد السريع، في ظل عدم وجود تنسيق واضح بشأن التحركات العسكرية في القاعدة المستهدفة.
وأوضح باراك في تصريحات صحافية لموقع جيزواليم بوست الإسرائيلي أن القوات التركية لم تكن على علم مسبق بأن الطائرات الإسرائيلية تتجه نحو قاعدة أبو الظهور، كما لم تكن تعرف طبيعة المهمة التي كانت تنفذها الطائرات الإسرائيلية. واعتبر أن غياب هذه المعلومات كان يمكن أن يدفع القوات التركية إلى إرسال طائراتها، على أساس اعتقادها بأنها تتعرض لهجوم.
وقال المبعوث الأميركي إن تطورات الثلاثاء كانت "خطيرة ومقلقة"، معرباً في الوقت نفسه عن ارتياحه لعدم سقوط ضحايا وعدم تحول الحادثة إلى مواجهة أوسع.
ثماني غارات على القاعدة
وكانت السلطات السورية قد أعلنت، الثلاثاء، أن إسرائيل نفذت ثماني غارات جوية على مدرج قاعدة أبو الظهور ومنشآت تخزين داخلها، وتقع القاعدة على مسافة نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية.
وجاء القصف بعد تصاعد الخلاف بشأن الوجود العسكري التركي في مواقع سورية، إذ قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان صدر في وقت متأخر من الثلاثاء إن سورية كانت على وشك انتهاك ما وصفه بـ"الوضع الراهن المتفق عليه مع إسرائيل" في القضايا الأمنية، وذلك عبر السماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة الجوية.
وأكد مكتب رئيس الوزراء أن إسرائيل سبق أن حذرت سورية من أن نشر قوات تركية في القاعدة يمثل تهديداً لأمنها، متهماً دمشق بتجاهل هذه التحذيرات.
ويأتي التصعيد في وقت تحاول فيه الأطراف الإقليمية والدولية منع تحوّل الخلاف حول الانتشار العسكري التركي في سورية إلى مواجهة أوسع بين أنقرة وتل أبيب.
واشنطن تسعى لإعادة تفعيل آلية فض الاشتباك
وقال باراك إن الولايات المتحدة تجري اتصالات مع الأطراف المعنية بهدف إعادة إطلاق خلية فض الاشتباك بين إسرائيل وسورية، مشيراً إلى إمكانية إشراك تركيا في هذه الآلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأشار إلى أن وجود آلية دائمة تعمل على مدار الساعة قد يساعد في منع سوء التقدير والحوادث العسكرية، مقترحاً أن تضم موظفين قادرين على التواصل بالعبرية والعربية والإنجليزية والتركية.
وشدد المبعوث الأميركي على أن وجود قنوات اتصال موثوقة يمثل عنصراً أساسياً لمنع التصعيد، معتبراً أن عدم وجودها يخلق مخاطر غير ضرورية، وأن الحوار الدبلوماسي يظل الوسيلة الأفضل لتجنب التفاعلات العسكرية العنيفة.
وتستضيف الولايات المتحدة منذ سنوات جولات من المحادثات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين بهدف خفض التوتر والتوصل إلى ترتيبات أمنية وحدودية، إلى جانب بحث مسارات للتطبيع والتعاون الاقتصادي.
وخلال الجولة الأخيرة من هذه المحادثات، اتفق الجانبان، بحسب باراك، على بحث مشاريع اقتصادية مشتركة وإنشاء آلية لتسوية النزاعات بينهما يكون مقرها في الأردن.
باراك: من الضروري استئناف المحادثات
وقال المبعوث الأميركي إن التطورات الأخيرة أظهرت الحاجة إلى إعادة النظر في المسار التفاوضي بين دمشق وتل أبيب في أقرب وقت ممكن، مشيراً إلى تحقيق تقدم في توضيح مخاوف الطرفين خلال الجولات السابقة.
وأضاف أن الحكومة السورية أكدت أنها لا تحمل نوايا عدوانية تجاه إسرائيل، وأن تحركاتها تهدف إلى حماية سيادتها.
ووصف باراك سورية بأنها أثبتت قدرتها على أن تكون "جارة ذات سيادة مسؤولة ومستقرة"، معتبراً أن ترتيبات خفض التصعيد المصممة بعناية يمكن أن تسهم في تحقيق قدر أكبر من الهدوء والاستقرار والقدرة على التنبؤ في المنطقة.
الوجود العسكري التركي نقطة خلاف
ويظل احتمال انتشار قوات أو معدات عسكرية تركية في قواعد سورية، ولا سيما القواعد القريبة من الحدود الإسرائيلية، من أبرز الملفات الخلافية في المحادثات بين دمشق وتل أبيب.
وكانت تقارير قد أشارت في يناير/كانون الثاني إلى نشر نظام رادار تركي متطور من طراز HTRS-100 في مطار دمشق الدولي، وهو ما أثار مخاوف إسرائيلية من تداعياته على حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية.
وبحسب المخاوف الإسرائيلية، فإن قدرة نظام الرادار على رصد الأهداف الجوية ضمن نطاق يتراوح بين 150 و200 كيلومتر قد تؤثر في قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات جوية في سورية من دون اكتشافها.
في المقابل، قال باراك إن الولايات المتحدة لا ترى في البنية التحتية المدنية، بما فيها أنظمة الرادار اللازمة لتأمين حركة الطيران الداخلي، تهديداً أمنياً لإسرائيل بالضرورة.
وأكد أن قدرة سورية على تشغيل قطاع طيران مدني آمن وموثوق تتطلب تغطية رادارية فعالة، معتبراً أن هذا الاحتياج التقني يمكن التعامل معه من خلال مزيد من المحادثات والتفاهمات التي تراعي مخاوف جميع الأطراف.
أولوية أميركية لمنع التصعيد
وأكد باراك أن الأولوية العاجلة للولايات المتحدة تتمثل في المساعدة على خفض التوتر بين تركيا وإسرائيل ومنع وقوع تصعيد غير مقصود قد يصبح من الصعب احتواؤه لاحقاً.
ودعا جميع الأطراف إلى التحلي بالصبر والعمل من أجل التوصل إلى تسوية دائمة للوضع المعقد، مذكّراً بأن تركيا وإسرائيل تمتعتا خلال فترات مختلفة من العقود الثلاثة الماضية بعلاقات اتسمت بالتعاون.
واعتبر أن خطة الرئيس ترامب يمكن أن توفر مساراً قابلاً للتنفيذ لتجاوز الخلافات الحالية، شرط توفير المساحة السياسية والدعم اللازمين لإنجاحها.
ويضع قصف قاعدة أبو الظهور ملف الوجود العسكري التركي في سورية أمام اختبار جديد، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع احتكاك مباشر بين حليفيها، تركيا وإسرائيل، والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة لتجنب تحول الحوادث الميدانية إلى أزمة إقليمية أوسع.







