لندن - كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية "نيتشر هيومان بهيفيور" (Nature Human Behaviour) عن رسم أول خريطة جسدية دقيقة لأكثر المناطق حساسية للدغدغة لدى الإنسان، مبرزة تشابهاً هيكلياً وثقافياً لافتاً بين البشر عبر جغرافات مختلفة، مع تفنيد الانطباع السائد بأن الضحك المصاحب للدغدغة يعبر بالضرورة عن حالة من المتعة أو السعادة.
وشملت الدراسة الميدانية التي أعدها الباحثان زيليانغ شيونغ وكونستانتينا كيلتيني نحو 448 شاباً وشابة تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عاماً ينتمون إلى خلفيات جغرافية وثقافية متنوعة شملت الصين وهولندا واليونان.
واستهدفت التجربة رصد وتحديد انطباعات المشاركين عبر الاستعانة برسوم رقمية تفاعلية للجسد البشري، حيث أفاد 98.4% منهم بتعرضهم للدغدغة مرة واحدة على الأقل في حياتهم، فيما أكد 95.8% ممارستهم الدغدغة مع أشخاص آخرين.
أين تتركز حساسية الدغدغة؟
وأظهرت النتائج أنه بالرغم من الاختلافات الثقافية والاجتماعية الواضحة بين العينات المشاركة، إلا أن خرائط الأجساد جاءت متطابقة ومتشابهة بدرجة كبيرة؛ حيث تركزت أعلى مستويات الحساسية في مناطق الإبطين، وباطن القدمين، والبطن، وجانبي الجذع، والرقبة.
وقارن الفريق العلمي خريطة الدغدغة بخمس خرائط حسية وفيزيولوجية أخرى تمثل الإحساس باللمس التقليدي، والألم، والمتعة، واللمس الذاتي، بالإضافة إلى اللمس الاجتماعي القادم من الآخرين. وأثبتت التحليلات أن حساسية الدغدغة لا ترتبط طردياً مع المناطق الأكثر استجابة للمس العادي، كما أنها لا تقترن بالضرورة بمواضع الشعور باللذة أو الألم.
ونفت الدراسة وجود أي علاقة مباشرة بين شدة الدغدغة وسماكة الطبقة الجلدية، أو كثافة الشعيرات والأعصاب الحسية، أو حتى حجم الشرايين والأوعية الدموية الواقعة أسفل المنطقة المستهدفة.
وتضع هذه المعطيات علامات استفهام حول النظرية التفسيرية التقليدية التي تعزو حساسية بعض المناطق لرقة جلدها أو ضعفها البنيوي؛ إذ تعتبر الشفاه والجفون من أكثر المناطق حساسية للمس اللمسي العادي دون أن تتصدر خرائط الدغدغة، في حين يظل باطن القدم من أكثر المواضع استجابة واستثارة رغم سماكة جدار الجلد فيه.
وأكد البيان العلمي الصادر برفقة الدراسة أن الدغدغة تمثل تجربة حسية وسيولوجية مستقلة ذات خريطة عصبية خاصة، لا يمكن اختزالها أو تفسيرها بعامل واحد سواء كان بيولوجياً أو اجتماعياً.
تقييم فرضية داروين والجذور التطورية
وأخضع الباحثون خمس فرضيات علمية سابقة للاختبار، من بينها التفسير الشهير لعالم التطور تشارلز داروين، والذي رجح فيه أن أجزاء الجسم الأقل تعرضاً للمس اليومي المعتاد تكون الأكثر عرضة وحساسية للدغدغة.
وقدمت نتائج التحليل دعماً جزئياً لطرح داروين، حيث أظهرت المناطق القليلة اللمس ميلها لتسجيل استجابات أعلى، إلا أن الباحثين أكدوا أن هذا المتغير وحده لا يكفي لتفسير الخريطة الكاملة. ورجح الفريق أن تكون الدغدغة نتاج تداخل مركّب ومتشابك بين عوامل عصبية، وجسدية، ونفسية، واجتماعية.
كما رصدت الدراسة أنماطاً سلوكية متطابقة لدى البشر وبعض أنواع القردة العليا، سواء في آلية استخدام الأصابع واليدين، أو استهداف مناطق الإبطين، والبطن، والقدمين، والرقبة، وصولاً إلى إصدار أصوات وصرخات شبيهة بالضحك، مما يعزز فرضية وجود جذور تطورية قديمة ترجع لأسلاف مشتركة.
ضحك لا إرادي بلا متعة
وفيما يتعلق بالبعد النفسي، ربط 87.1% من المشاركين تجربة الدغدغة بمشاعر السعادة أو اللعب والمداعبة، فيما اعتبر 61.4% أنها وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية والعائلية الصادقة.
غير أن المفاجأة تمثلت في أن 27.2% فقط من المشاركين اعتبروا أن الإنسان يستمتع فعلياً حين يتعرض للدغدغة، مقابل 27.9% جزموا بعدم وجود استمتاع، بينما أبدى الباقون موقفاً محايداً. وعلى الرغم من أن 76.8% أشاروا إلى أن الدغدغة تُمارس بغرض استحثاث الآخرين على الضحك، إلا أن 47.3% رفضوا اعتبار هذا الضحك الصادر دليلاً على السعادة أو المتعة الداخلية.
وتسلط هذه الأرقام الضوء على الفجوة القائمة بين الاستجابة الجسدية الفيزيولوجية والتجربة الشعورية الحقيقية؛ إذ قد يصدر الإنسان ضحكات لا إرادية نتيجة رد فعل عصبي قسري، بينما تكون التجربة في واقعها مزعجة أو مؤلمة بالنسبة له، مما يعني أن الضحك الناجم عن الدغدغة لا يمثل مؤشراً قاطعاً على الرضا أو القبول بمواصلة السلوك.
وعلى الرغم من أن الدراسة لم تحسم الآلية العصبية الدقيقة المسؤولة عن تحفيز الضحك القسري، واعتمدت على الاستبيانات المباشرة والتجارب الذاتية دون إجراء دغدغة فعلية داخل المعامل المجهزة، إلا أنها خلصت إلى نتيجة محورية مفادها أن خريطة الدغدغة تمثل ظاهرة إنسانية تكاد تكون شمولية ومتطابقة، في حين أن الضحك المترتب عليها يحمل دلالات ومعاني متباينة تختلف من شخص لآخر.







