تل أبيب - كشفت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، في تقرير جديد، عن سلسلة إجراءات قالت إنها تعكس سياسة حكومية منظمة لتقويض ترتيبات اتفاقيات أوسلو وإضعاف السلطة الفلسطينية، من دون إعلان رسمي عن إلغاء الاتفاقيات أو سن تشريع مباشر لضم أجزاء من الضفة الغربية.
وبحسب التقرير الذي أوردت تفاصيله صحيفة «يديعوت أحرونوت» وموقع «واي نت»، فإن الإجراءات التي جرى تنفيذها خلال العام الأخير تشمل نقل صلاحيات مدنية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، وتوسيع نطاق الرقابة الإسرائيلية في المناطق المصنفة «A» و«B»، وإصدار أوامر استملاك عسكرية داخل المنطقة A، إلى جانب إقامة بؤر استيطانية جديدة في المنطقة B.
وترى «السلام الآن» أن هذه الخطوات لا تمثل حوادث منفصلة، وإنما تندرج ضمن مسار متكامل يؤدي، وفق تقديرها، إلى فرض واقع من «الضم الفعلي» للضفة الغربية، وإضعاف قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة صلاحياتها المدنية والأمنية.
وقالت الحركة إن الحكومة الإسرائيلية «تلعب بالنار» من خلال تقويض التزاماتها الدولية وتعريض أمن إسرائيل للخطر، معتبرة أن الهدف النهائي لهذه الإجراءات يتمثل في إضعاف السلطة الفلسطينية إلى حد إسقاطها، وتهيئة الظروف أمام توسيع المستوطنات داخل المناطق الفلسطينية الواقعة في عمق الضفة الغربية.
أوسلو.. ترتيبات مؤقتة تحولت إلى واقع مستمر
وقّعت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاقيات المرحلة الانتقالية المعروفة باسم «أوسلو 2» في سبتمبر/أيلول 1995، وقُسمت بموجبها الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق رئيسية.
وتشكل المنطقتان A وB نحو 40% من مساحة الضفة الغربية، بينما تشكل المنطقة C نحو 60% منها وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة.
وبموجب الترتيبات الانتقالية، مُنحت السلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية وأمنية واسعة في المنطقة A، بينما تتوزع الصلاحيات في المنطقة B بين الجانبين، في حين بقيت السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة C.
وكان يفترض أن تكون هذه الترتيبات مؤقتة إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، إلا أن غياب التسوية النهائية أبقاها قائمة حتى اليوم.
ويشير التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل منذ الانتفاضة الثانية داخل المنطقة A أيضًا، لكنه يعتبر أن التطور الأبرز خلال الفترة الأخيرة يتمثل في انتقال التدخل الإسرائيلي من المجال الأمني إلى مجالات مدنية وإدارية، بما يشمل التخطيط والبناء والبيئة والمياه والآثار.
أموال المقاصة.. أداة للضغط على السلطة الفلسطينية
ويعتبر تقرير «السلام الآن» أن تجميد أموال المقاصة يمثل إحدى أبرز الأدوات المستخدمة لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصاديًا.
وتشمل أموال المقاصة الضرائب والرسوم التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية، ولا سيما على الواردات والوقود والسجائر، وفق الترتيبات الاقتصادية المرتبطة ببروتوكول باريس.
وبحسب التقرير، تبلغ قيمة هذه الأموال نحو 11 مليار شيكل سنويًا، وكانت تاريخيًا تمثل أكثر من 60% من موازنة السلطة الفلسطينية.
وتقول الحركة إنه خلال السنوات الثلاث السابقة حتى عام 2025، جرى تحويل نحو نصف الأموال المستحقة للسلطة فقط، فيما لم تُحوّل، وفق التقرير، أي أموال منذ يونيو/حزيران 2025.
وترى «السلام الآن» أن استمرار حجب هذه الإيرادات يفاقم الأزمة المالية للسلطة ويحد من قدرتها على دفع الرواتب وتقديم الخدمات العامة والقيام بالمهام المنوطة بها.
البيئة والآثار.. توسيع نطاق التدخل الإسرائيلي
ومن بين الإجراءات التي يسلط التقرير الضوء عليها قرار المجلس الوزاري السياسي والأمني الإسرائيلي، في فبراير/شباط 2026، السماح للإدارة المدنية بفرض القانون والرقابة في المنطقتين A وB في مجالات البيئة والمياه والآثار.
وجاء القرار، وفق ما أورده التقرير، بذريعة منع الأضرار البيئية وحماية المواقع التراثية.
لكن «السلام الآن» تحذر من اتساع نطاق تفسير هذه الصلاحيات، معتبرة أن مفهوم «الضرر البيئي» يمكن أن يمتد إلى عدد كبير من المنشآت والأنشطة الفلسطينية، فيما توفر كثرة المواقع الأثرية في الضفة الغربية مجالًا واسعًا للتدخل في عمليات البناء والتطوير الفلسطينية.
وتقول الحركة إن منح الإدارة المدنية صلاحيات إضافية في هذه المجالات يمثل انتقالًا من تدخلات محدودة إلى ممارسة صلاحيات مدنية بصورة أوسع داخل مناطق يفترض أن تكون تحت إدارة فلسطينية وفق ترتيبات أوسلو.
أوامر استملاك داخل المنطقة A
ويشير التقرير إلى خطوة أخرى وصفتها «السلام الآن» بأنها غير مسبوقة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.
ففي يوليو/تموز 2026، وقّع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوت، على 15 أمر استملاك للسيطرة على أراضٍ داخل المنطقة A.
وبحسب التقرير، تهدف أوامر الاستملاك إلى إنشاء محور حركة يربط بين مستوطنتين جديدتين، هما «عيمك دوثان» المحاذية لبلدة عرابة الفلسطينية، و«نوعا» الواقعة شمال بلدة قباطية في شمال الضفة الغربية.
وتعتبر «السلام الآن» أن استخدام أوامر استملاك عسكرية داخل المنطقة A لتنفيذ مشروع ذي طابع مدني واستيطاني يمثل سابقة منذ إنشاء ترتيبات أوسلو، إذ إن أوامر الاستملاك العسكرية ارتبطت تاريخيًا بمبررات أمنية مؤقتة.
وترى الحركة أن توظيف هذه الآلية لخدمة مشروع استيطاني أو بنية تحتية مرتبطة بالمستوطنات يعكس تغيرًا في طبيعة السيطرة الإسرائيلية داخل مناطق يفترض أن تكون خاضعة للسلطة الفلسطينية.
23 بؤرة استيطانية في مناطق B
وعلى صعيد الاستيطان، تقول «السلام الآن» إنها وثقت إنشاء ما لا يقل عن 23 بؤرة استيطانية في مناطق B خلال العامين ونصف العام الماضيين.
ويشير التقرير إلى أنه في نهاية عام 2024، جرى توثيق إنشاء سبع بؤر استيطانية جديدة في وقت واحد، في سابقة تقول الحركة إنها لم تسجلها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.
وبحسب التقرير، فإن بعض البؤر التي يتم إخلاؤها تعود إلى الظهور والتوسع، وتتحول تدريجيًا من منشآت مؤقتة إلى مبانٍ دائمة، مع أعمال بناء بالخرسانة وإنشاء مرافق وخدمات، بما في ذلك دور عبادة ومشروعات تجارية صغيرة.
كما يترافق إنشاء هذه البؤر، وفق التقرير، مع شق طرق والسيطرة على مصادر المياه وممارسة ضغوط على الرعاة الفلسطينيين بهدف دفعهم إلى مغادرة مناطقهم.
تهجير فلسطيني ومصادرة شاحنات النفايات
ولا يقتصر التقرير على الاستيطان، إذ يوثق عشرات الحالات التي قالت الحركة إنها شهدت تهجير سكان فلسطينيين من منازلهم نتيجة عنف المستوطنين والضغوط المستمرة، سواء في المناطق B أو C.
ويشير التقرير إلى أن بعض المنازل التي غادرها الفلسطينيون أصبحت لاحقًا مأهولة من قبل مستوطنين.
كما يتحدث عن ظاهرة أخرى وصفها بأنها جديدة نسبيًا، تتمثل في مصادرة شاحنات نفايات فلسطينية تعمل داخل مناطق B، بذريعة نقلها النفايات إلى مواقع غير مرخصة.
وترى «السلام الآن» أن هذه الإجراءات، مجتمعة، تخلق واقعًا جديدًا على الأرض وتضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية على إدارة المناطق الخاضعة لصلاحياتها.
سحب صلاحيات التخطيط في الخليل
وفي يونيو/حزيران 2026، قررت لجنة التخطيط العليا التابعة للإدارة المدنية، وفق التقرير، سحب صلاحيات التخطيط والبناء بشكل شامل من بلدية الخليل الفلسطينية فيما يتعلق بالمستوطنات وعدد من المواقع الدينية والتاريخية في قلب المدينة.
وتعتبر «السلام الآن» أن هذه الخطوة تندرج ضمن مسار نقل الصلاحيات من المؤسسات الفلسطينية إلى مؤسسات إسرائيلية، بما يعزز حضور الإدارة المدنية الإسرائيلية في مناطق كان يفترض أن تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بصلاحيات مدنية.
«ضم بحكم الأمر الواقع» من دون قانون
وتخلص الحركة في تقريرها إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تتجه، في الوقت الحالي، إلى إعلان رسمي لإلغاء اتفاقيات أوسلو أو تمرير قانون صريح لضم الضفة الغربية، وإنما تعتمد على سلسلة من الإجراءات الإدارية والعسكرية والميدانية التي تؤدي تدريجيًا إلى تغيير الواقع على الأرض.
وتقول إن نقل صلاحيات الإنفاذ والرقابة إلى الإدارة المدنية، وأوامر الاستملاك، ومشروعات البنية التحتية، والتدخل في التخطيط والبناء، والحفريات، إلى جانب إقامة البؤر الاستيطانية، تعمل مجتمعة على خلق مسار نحو «ضم غير معلن».
سموتريتش: «هذه مجرد البداية»
ورد وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الدفاع، بتسلئيل سموتريتش، على التقرير بتأكيده دعمه لهذه السياسة، معتبرًا أن ما تصفه «السلام الآن» بأنه تقويض لاتفاقيات أوسلو يمثل، من وجهة نظره، إنجازًا للحكومة الإسرائيلية.
وقال سموتريتش إن التقرير يشكل «شهادة إنجازات لحكومة إسرائيل»، مضيفًا أن ما تسميه الحركة «تقويض أوسلو» تعتبره الحكومة «تصحيحًا لظلم دام ثلاثين عامًا من الإهمال».
وأضاف أن ما يوصف بأنه «ضم بحكم الأمر الواقع» هو، بحسب تعبيره، «إقامة الحزام الأمني لإسرائيل»، مؤكدًا اعتزازه بما وصفها بـ«ثورة الاستيطان» التي قال إنها تهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية.
وختم سموتريتش موقفه بالقول: «هذه مجرد البداية».
ويكشف التباين بين قراءة «السلام الآن» وموقف سموتريتش عن خلاف جوهري حول طبيعة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية: فبينما تعتبرها الحركة مسارًا تدريجيًا لتفكيك ترتيبات أوسلو وفرض الضم الفعلي، تقدمها الحكومة الإسرائيلية باعتبارها إجراءات لتعزيز الأمن وتوسيع الاستيطان ومنع قيام دولة فلسطينية.







