ترجمات - مصدر الإخبارية
طرح وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف رؤية شاملة لإنهاء الصراع المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة، داعياً إلى استبدال سياسة المواجهة العسكرية بإطار أمني إقليمي تقوده دول الشرق الأوسط، معتبراً أن الحلول العسكرية أثبتت عجزها عن تحقيق الاستقرار أو فرض واقع سياسي جديد في المنطقة.
وفي مقال مطول نشرته مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs)، قال ظريف إن التطورات العسكرية الأخيرة أكدت أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يبنى على القوة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية، وإنما من خلال اتفاقيات سياسية وأمنية تراعي مصالح جميع دول المنطقة.
انهيار التفاهم مع واشنطن
استهل ظريف مقاله بالإشارة إلى انهيار مذكرة التفاهم التي كانت قد توصلت إليها إيران والولايات المتحدة في سويسرا، موضحاً أن الاتفاق كان يهدف إلى خفض التصعيد بين الطرفين، إلا أن تباين تفسير بنوده، خصوصاً ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، أدى إلى انهياره وعودة المواجهة العسكرية.
وأوضح أن إيران كانت ترى أن التزاماتها بشأن ضمان الملاحة البحرية كانت مؤقتة ولمدة محددة، على أن يجري لاحقاً الاتفاق مع سلطنة عُمان ودول الخليج على آلية دائمة لإدارة المضيق، في حين اعتبرت الولايات المتحدة أن طهران وافقت على ضمان حرية الملاحة بشكل غير مشروط، وهو ما أدى إلى انهيار التفاهم بين الجانبين.
وأضاف أن استئناف العمليات العسكرية لم يكن مفاجئاً، بل كان نتيجة مباشرة لفشل الطرفين في معالجة الخلافات الجوهرية التي صاحبت الاتفاق منذ توقيعه.
الحرب لا تحقق أهداف واشنطن
واعتبر ظريف أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة سعت خلال السنوات الماضية إلى تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط والتركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقال إن واشنطن استخدمت خلال السنوات الماضية أدوات متعددة لتحقيق هذا الهدف، من بينها الاتفاق النووي لعام 2015، واتفاقيات أبراهام، والضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران، إلا أن الصراع الحالي، بحسب تعبيره، أثبت أن إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على تغيير سياساته بالقوة العسكرية أمر غير ممكن.
وأضاف أن الشعب الإيراني والمؤسسات العسكرية تمكنوا، وفق رؤيته، من الحفاظ على وحدة البلاد رغم الضربات العسكرية الواسعة التي تعرضت لها إيران، معتبراً أن ذلك يؤكد فشل سياسة الإكراه العسكري في تحقيق أهدافها.
مضيق هرمز... قضية أمن قومي
وخصص ظريف جزءاً كبيراً من مقاله للحديث عن مضيق هرمز، معتبراً أنه أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي الإيراني بعد الحرب الأخيرة.
وقال إن إيران لم تكن تعرقل حركة الملاحة البحرية قبل اندلاع الحرب، رغم العقوبات الأمريكية التي حدّت من استفادتها الاقتصادية من المضيق، إلا أن استمرار نقل المعدات العسكرية والأسلحة عبره إلى خصومها غيّر النظرة الإيرانية لهذا الممر الاستراتيجي.
وأوضح أن القيادة الإيرانية باتت تعتبر أي استخدام للمضيق في دعم العمليات العسكرية ضد إيران تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، مشيراً إلى أن طهران ترى من حقها اتخاذ إجراءات لحماية أمنها طالما استمرت الحرب والضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها.
وفي المقابل، أقر ظريف بأن الإغلاق المستمر للمضيق قد يضر بإيران نفسها، لأنه قد يدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن بدائل دائمة لتصدير النفط بعيداً عن هرمز، وهو ما قد يقلل من أهميته الاستراتيجية مستقبلاً.
دعوة إلى منظومة أمنية خليجية
ودعا وزير الخارجية الإيراني السابق إلى إنشاء منظومة أمنية جديدة في الخليج تعتمد على التعاون بين الدول المطلة على المضيق، بعيداً عن التدخلات العسكرية الخارجية.
وأوضح أن هذه المنظومة يمكن أن تقوم على الحوار، وبناء الثقة، وإدارة مشتركة للممرات البحرية، مع احترام القانون الدولي وحقوق الدول الساحلية، بما يضمن أمن الملاحة لجميع الأطراف ويقلل احتمالات اندلاع النزاعات.
اتفاق جديد بين طهران وواشنطن
ورأى ظريف أن أي تسوية دائمة تتطلب التوصل إلى اتفاق جديد بين إيران والولايات المتحدة يقوم على مبدأ عدم الاعتداء وإدارة الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية.
وتتضمن رؤيته رفع العقوبات الأمريكية بشكل كامل، وإلغاء تصنيف المؤسسات الإيرانية ضمن قوائم الإرهاب، واعتراف واشنطن بوحدة الأراضي الإيرانية، إلى جانب إنشاء صندوق دولي للمساهمة في إعادة إعمار إيران بعد الحرب.
وفي المقابل، تقترح طهران، بحسب ظريف، تقديم ضمانات طويلة الأمد بشأن برنامجها النووي، من بينها التصديق على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعزيز آليات الرقابة والتفتيش على منشآتها النووية، بما يبدد المخاوف من تطوير أسلحة نووية.
انتقادات حادة لإسرائيل
وشن ظريف هجوماً على إسرائيل، متهماً إياها بإفشال المبادرات السياسية الرامية إلى خفض التوتر في المنطقة، وقال إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عارضت الاتفاق النووي لعام 2015، كما وقفت ضد محاولات التوصل إلى تفاهمات جديدة بين طهران وواشنطن.
واعتبر أن السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك الحرب في غزة والتوتر مع لبنان، ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة، داعياً الإدارة الأمريكية إلى ممارسة ضغوط أكبر على تل أبيب إذا كانت ترغب في تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
رؤية لتكامل اقتصادي وأمني
كما عرض ظريف تصوراً لبناء نظام إقليمي جديد يقوم على التعاون الاقتصادي والأمني بين دول الشرق الأوسط، مشيراً إلى إمكانية إنشاء صندوق إقليمي لإعادة الإعمار والتنمية، وتطوير مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.
واقترح أيضاً تأسيس اتحاد إقليمي لتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، يضم إيران ودولاً أخرى في المنطقة، مع مشاركة قوى دولية في الإشراف عليه، بما يعزز الثقة ويمنع سباق التسلح النووي.
وأضاف أن المنطقة تمتلك مقومات كبيرة لتحقيق نهضة اقتصادية إذا نجحت دولها في تجاوز الصراعات التاريخية، مستشهداً بالإمكانات البشرية والاقتصادية التي تمتلكها إيران والدول العربية وتركيا وباكستان.
الاستقرار مسؤولية دول المنطقة
واختتم ظريف مقاله بالتأكيد على أن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن استيرادهما من الخارج أو فرضهما بالقوة العسكرية، معتبراً أن الطريق الوحيد لتحقيق سلام مستدام يتمثل في تعاون دول المنطقة فيما بينها، والاعتراف بمصالح جميع الأطراف، وإنشاء مؤسسات إقليمية قادرة على إدارة الخلافات وبناء الثقة.
وأكد أن نجاح أي مشروع لتحقيق السلام يتطلب، من وجهة نظره، قبول جميع الأطراف بأن إيران جزء أساسي من معادلة الأمن الإقليمي، وأن استبعادها من أي ترتيبات مستقبلية لن يؤدي إلا إلى استمرار حالة عدم الاستقرار.






