ترجمات - مصدر الإخبارية
كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، في تحقيق موسع من ثلاثة أجزاء، أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تقود ما وصفته بـ"ثورة استيطانية" غير مسبوقة في الضفة الغربية المحتلة، تقوم على تسريع عمليات المصادقة على المستوطنات ونقل صلاحيات واسعة لإدارة المشروع الاستيطاني، بما يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية بصورة تجعل أي تسوية مستقبلية قائمة على حل الدولتين أكثر صعوبة.
وقالت الصحيفة إن الحكومة، منذ تشكيلها، صادقت على إقامة أو تسوية أوضاع 103 مستوطنات في أنحاء الضفة الغربية، وهو رقم يقترب من إجمالي عدد المستوطنات التي أقيمت أو تمت تسوية أوضاعها منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 وحتى تشكيل الحكومة الحالية، والتي بلغت 127 مستوطنة.
وأضاف التقرير أن ما يجري لا يقتصر على زيادة عدد المستوطنات، بل يمثل تغييراً جذرياً في آليات إدارة الضفة الغربية، من خلال تحويل المشروع الاستيطاني إلى سياسة حكومية مركزية تحظى بصلاحيات إدارية وقانونية وميزانيات واسعة.
نقل صلاحيات واسعة إلى سموتريتش
وبحسب التقرير، بدأت التحولات الأساسية مع الاتفاقات الائتلافية للحكومة الحالية، التي منحت وزير المالية والوزير المسؤول عن ملف الاستيطان، بتسلئيل سموتريتش، صلاحيات غير مسبوقة داخل وزارة الدفاع، شملت الإشراف على مديرية الاستيطان، وإدارة ملفات التخطيط والبناء، وتسوية أوضاع البؤر الاستيطانية، وإدارة الأراضي في المنطقة المصنفة (ج)، إضافة إلى الإشراف على إصدار الأوامر المدنية الخاصة بالضفة الغربية.
وأشار التقرير إلى أن هذه الخطوة نقلت جانباً كبيراً من الصلاحيات التي كانت تخضع سابقاً لوزير الدفاع والإدارة المدنية إلى جهة سياسية تتبنى بصورة علنية توسيع المشروع الاستيطاني.
كما أوضح أن الحكومة أجرت تعديلات إضافية خلال عام 2023، أبرزها منح المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) صلاحية المصادقة على إقامة المستوطنات بدلاً من الحكومة بكاملها، إلى جانب اختصار الإجراءات البيروقراطية الخاصة بالموافقة على البناء الاستيطاني ونقل صلاحيات المصادقة من وزير الدفاع إلى سموتريتش، الأمر الذي سرّع بصورة كبيرة عمليات التخطيط والتنفيذ.
103 مستوطنات جديدة وتقنين عشرات البؤر
وأوضح التحقيق أن المستوطنات التي تمت المصادقة عليها تنقسم إلى:
- 48 بؤرة استيطانية جرى تقنينها ومنحها وضعاً قانونياً.
- 24 مستوطنة نتجت عن فصل أحياء استيطانية أو توسعات إدارية لمستوطنات قائمة.
- 31 مستوطنة جديدة بالكامل، بينها أربع مستوطنات سبق إخلاؤها خلال خطة الانفصال عام 2005.
وأشار التقرير إلى أن هذا العدد لا يشمل أكثر من 300 بؤرة استيطانية أخرى تمر بمراحل مختلفة من إجراءات التسوية القانونية، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مؤخراً العمل على تقنين نحو 140 بؤرة إضافية.
تسارع غير مسبوق في البناء الاستيطاني
ونقلت الصحيفة عن منظمة السلام الآن أن الحكومة الحالية صادقت حتى نهاية عام 2025 على أكثر من 40 ألف وحدة سكنية جديدة في المستوطنات، فيما أعلن سموتريتش لاحقاً أن العدد ارتفع إلى نحو 60 ألف وحدة، مقارنة بست مستوطنات فقط تمت المصادقة عليها خلال العقد السابق لتشكيل الحكومة الحالية.
وأضاف التقرير أن الكابينيت عقد بين شباط/فبراير 2023 وآذار/مارس 2025 ثلاث جلسات فقط، أقر خلالها 28 مستوطنة، قبل أن تتسارع الوتيرة بشكل كبير ابتداءً من أيار/مايو 2025، حيث تمت المصادقة على 74 مستوطنة خلال أقل من عام.
إعادة رسم الخريطة الجغرافية
وأكد التقرير أن اختيار مواقع المستوطنات الجديدة لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن خطة جغرافية تهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية الكبرى، وفصل المدن والبلدات الفلسطينية عن بعضها، ومنع أي تواصل جغرافي بينها.
وأوضح أن المشاريع ركزت بصورة خاصة على شمال الضفة الغربية، حيث تمت المصادقة على 28 مستوطنة داخل نطاق مجلس "شومرون" الإقليمي، من بينها 19 مستوطنة في مناطق لم يكن يوجد فيها وجود استيطاني سابق، بهدف إحاطة التجمعات الفلسطينية وقطع التواصل بينها.
كما أشار التقرير إلى إقامة مستوطنات جديدة في غرب رام الله لربط الكتل الاستيطانية بالجدار الفاصل، إضافة إلى مشاريع استيطانية في غرب الخليل والأغوار ومحيط مدينة أريحا وكتلة "غوش عتصيون"، بما يوسع نطاق السيطرة الإسرائيلية على الطرق والمحاور الرئيسية.
مخطط E1 وطمس الحدود
وتوقف التقرير عند المصادقة على مخطط E1، الذي يربط القدس المحتلة بمستوطنة "معاليه أدوميم"، ويعد من أكثر المشاريع إثارة للجدل بسبب تأثيره على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.
ونقل التقرير عن سموتريتش قوله عقب المصادقة على المشروع إن الحكومة "ترسي حقائق تاريخية على الأرض"، وإن "الدولة الفلسطينية تمحى من على الطاولة بالأفعال وليس بالشعارات"، معتبراً أن كل مستوطنة جديدة تمثل "مسماراً إضافياً في نعش حل الدولتين".
تقنين مستوطنات على أراضٍ خاصة ومناطق إطلاق نار
وأشار التحقيق إلى أن الحكومة اتخذت خطوات غير مسبوقة تمثلت في تقنين مستوطنات أقيمت على أراضٍ لم تكن مصنفة كـ"أراضي دولة"، بما في ذلك أراضٍ فلسطينية خاصة، إلى جانب المصادقة على مستوطنات داخل مناطق كانت مصنفة كمناطق إطلاق نار عسكرية.
وأضاف أن سبع مستوطنات تمت المصادقة عليها داخل قواعد عسكرية أو مناطق تدريب، فيما يجري العمل على تسوية أوضاع عشرات المستوطنات الأخرى عبر إعلان مساحات جديدة باعتبارها "أراضي دولة".
ربط الاستيطان بتهجير التجمعات الفلسطينية
وأوضح التقرير أن مقارنة مواقع المستوطنات الجديدة مع خرائط أعدتها منظمات حقوقية إسرائيلية أظهرت أن 19 مستوطنة جرى تقنينها بعد تهجير تجمعات فلسطينية مجاورة منذ عام 2022، فيما تمت المصادقة على مستوطنتين إضافيتين قرب تجمعات فلسطينية أُخليت خلال الفترة نفسها.
وأشار إلى أن بعض هذه البؤر الاستيطانية بدأت كمزارع رعوية صغيرة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مستوطنات معترف بها، بعد مغادرة التجمعات الفلسطينية المحيطة بها.
استثمارات بمليارات الشواكل
ولفت التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية استثمرت، وفق معطيات منظمة السلام الآن، ما لا يقل عن 19.8 مليار شيكل في تطوير المستوطنات، تشمل شق الطرق، وتوسعة البنية التحتية، وربط المستوطنات بشبكات الكهرباء والمياه، إلى جانب تطوير المحاور الأمنية.
وأضاف أن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي كان قد أشار إلى احتمال الحاجة لإنشاء فرقة عسكرية جديدة نتيجة اتساع رقعة المستوطنات، وهو ما يعني زيادة إضافية في النفقات الأمنية.
انقسام داخل الأوساط الإسرائيلية
ونقل التقرير عن الباحثة في منظمة السلام الآن، حاغيت عوفران، قولها إن ما يجري يمثل "ثورة حقيقية" تجري بعيداً عن اهتمام الرأي العام الإسرائيلي، معتبرة أن الجمع بين توسيع الاستيطان، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، سيجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً.
في المقابل، رأى الباحث الإسرائيلي شاؤول أريئيلي أن عدداً من المستوطنات الجديدة لا يزال في مراحله الإدارية، وأن إمكانية تنفيذ حل سياسي ما زالت قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية، رغم أن كلفة إخلاء المستوطنات سترتفع مع مرور الوقت.
أما الباحث درور إتكس، من منظمة "كرم نافوت"، فاعتبر أن التطورات التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة تجعل التراجع عن هذا المسار بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن البنية الاستيطانية التي يجري بناؤها حالياً قد تفرض واقعاً دائماً على الأرض.
واختتمت صحيفة هآرتس تقريرها بالتأكيد على أن المشروع الجاري لا يقتصر على زيادة عدد المستوطنات، بل يشمل إعادة تشكيل المنظومة القانونية والإدارية والجغرافية في الضفة الغربية، في مسار ترى الصحيفة والجهات التي استندت إليها أنه ستكون له تداعيات بعيدة المدى على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية.






