منى هيثم أبو حدايد – مصدر الإخبارية
في غرفةٍ ضيّقة داخل أحد أقسام العناية المركزة في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، يرقد طفلٌ لم يتجاوز عامه الثاني. سالم النجار، جسدٌ صغير علّقته الحرب بين الحياة وأجهزة التنفس الصناعي، فيما توقفت طفولته قبل أن تبدأ.
لم يصل سالم إلى هذه الحالة كحادثٍ طبي عابر، بل كطفلٍ اقتُلع من أمانه في لحظة قصفٍ أصاب محيط منزله، فسقط من الطابق الثالث. ارتطامٌ واحد كان كفيلاً بفتح أبواب مأساةٍ كاملة؛ إصابة خطيرة في الرأس، ونزيف وتورّم دماغي، وإصابة في الرقبة، قبل أن يدخل في غيبوبة استمرت ستة عشر يوماً، ليخرج منها إلى واقعٍ أثقل من الإغماء نفسه؛ واقع التنفس الاصطناعي.
اليوم، لا يستطيع سالم أن يلتقط أنفاسه دون جهاز. ويؤكد الأطباء أن الإصابة أثّرت على مركز التنفس في الدماغ، ما يجعل فصله عن الأجهزة أمراً غير ممكن في الوقت الحالي. كما تشير الفحوص الأولية إلى وجود نزيف في الرأس، إلا أن الصورة الكاملة للحالة ما زالت غائبة بسبب عدم توفر وسائل التشخيص الدقيقة، وعلى رأسها التصوير بالرنين المغناطيسي، الذي يُعدّ خطوة حاسمة لتحديد إمكانية التدخل الجراحي ومنحه فرصة للحياة الطبيعية.
ويشير الأطباء أيضاً إلى أن العمود الفقري سليم، وأن النخاع الشوكي لم يتعرض لأضرار، وهو ما يفتح نافذة أملٍ طبية، لكنها تبقى معلّقة على شرطٍ واحد؛ استكمال التشخيص خارج قطاع غزة، حيث تتوفر الإمكانيات الطبية غير المتاحة محلياً في ظل الانهيار الكبير الذي أصاب المنظومة الصحية.
وفي مناشدةٍ مؤثرة، يدعو والد الطفل، علي النجار، المؤسسات الصحية والمنظمات الإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل العاجل لإنقاذ نجله، وتمكينه من السفر خارج قطاع غزة لاستكمال التشخيص والعلاج. ويؤكد أن سالم، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، يواجه معركة يومية من أجل البقاء، وأن حقه في العلاج والحياة لا يجب أن يبقى رهناً بنقص الإمكانيات أو تأخر إجراءات السفر.
ويضيف أن العائلة تتمسك بالأمل في أن يحصل طفلها على فرصةٍ للعلاج، تُمكّنه من استعادة حياته الطبيعية والعودة إلى طفولته التي أوقفتها الحرب قبل أن تبدأ.
لكن قصة سالم ليست استثناءً، بل هي جزء من مشهدٍ أوسع وأكثر قسوة، حيث يعاني قطاع غزة من انهيارٍ حاد في البنية الصحية وتدمير واسع للمستشفيات، ما جعل غياب التشخيص الدقيق واقعاً يومياً يواجه مئات المصابين. ويقف كثيرون اليوم على قوائم انتظار السفر والعلاج خارج القطاع، فيما تتحول كل ساعة تأخير إلى معركة مفتوحة مع الوقت قد تُحسم خلالها فرص النجاة قبل أن تبدأ رحلة العلاج.
وفي نهاية هذا المشهد، لا يبقى سالم مجرد اسمٍ على سرير عناية مركزة، بل يتحوّل إلى شهادة حيّة على واقعٍ يعيشه كثير من المصابين في غزة، حيث تتحول فرصة العلاج إلى معركة بحد ذاتها. وبين جهاز تنفّسٍ يبقي أنفاسه معلّقة وتشخيصٍ ينتظر استكماله، يبقى الأمل معقوداً على استجابةٍ عاجلة تمنحه حقه في العلاج. سالم اليوم لا يطلب أكثر من فرصة... فرصة قد تعني ببساطة أن يُسمح له بأن يُكمل حياته كما كان يُفترض لها أن تبدأ.