شبكة مصدر الاخبارية

أطفال الحرب.. تشوهات وألم يرافق أول نفس في غزة

28 يونيو 2026 06:38 م
FacebookX (Twitter)WhatsApp

 سماح شاهين

 لم تتوقف آثار الحرب في قطاع غزة عند حدود القتلى والجرحى أو الدمار الذي طال المنازل والبنية التحتية، بل امتدت إلى مرحلة تسبق الولادة نفسها. ففي الوقت الذي تعيش فيه النساء الحوامل تحت وطأة القصف المتواصل والنزوح والجوع وانهيار المنظومة الصحية، تتصاعد المؤشرات الطبية التي تحذر من تداعيات خطيرة تطال الأجنة والمواليد الجدد.

وخلال أكثر من عامين من الحرب، وثقت وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاعاً ملحوظاً في الولادات المبكرة والتشوهات الخلقية وانخفاض أوزان المواليد ووفق بياناتها، سُجلت أكثر من 4900 ولادة لأطفال بأوزان أقل من المعدلات الطبيعية، وأكثر من 4100 حالة ولادة مبكرة قبل اكتمال الأسبوع الثامن والثلاثين من الحمل، بزيادة تجاوزت 52% مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.

وفي الوقت ذاته، حذرت منظمات أممية من أن أطفال غزة باتوا يحملون آثار الحرب حتى قبل أن يفتحوا أعينهم على العالم، نتيجة تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية التي تعيشها النساء الحوامل.

الحرب تبدأ قبل الولادة

في يناير/كانون الثاني 2026، ولدت الطفلة حور العين قشطة وهي تحمل على جسدها الصغير تشوهاً خلقياً خطيراً تمثل في ورم كبير بمنطقة الحلق، أعاق تنفسها الطبيعي ومنعها من الرضاعة.

منذ اللحظة الأولى لولادتها، عاش والدها حالة من القلق الدائم وهو يراقب أنفاسها المتقطعة، عاجزاً عن تقديم ما تحتاجه طفلته من علاج في ظل الواقع الصحي المتردي داخل القطاع.

ويقول والدها: “ابنتي تحمل على جسدها الصغير وجعاً أكبر من قدرتنا على الاحتمال. أراها تكافح من أجل التنفس بينما يزداد حجم الورم يوماً بعد يوم، ولا نملك لها سوى الدعاء”.

ويضيف: “الأطباء أكدوا لنا أن تحويل حور العين للعلاج خارج القطاع أصبح ضرورة عاجلة، فحياتها معلقة بسرعة التدخل الطبي، وكل دقيقة تمر قد تكون فارقة”.

وبعد مناشدات متواصلة أطلقتها الأسرة، تمكنت الطفلة أخيراً من مغادرة قطاع غزة لاستكمال علاجها في الخارج.

ويؤكد والدها أن حور العين هي الحالة الأولى من نوعها داخل العائلة، موضحاً أن جميع أشقائها ولدوا بصحة جيدة، فيما جاءت ولادتها وسط ظروف استثنائية عاشتها والدتها خلال الحرب.

وتعكس قصة حور العين جانباً من المخاوف المتزايدة التي يطرحها الأطباء بشأن التأثيرات الصحية للحرب على الأجنة والمواليد الجدد في قطاع غزة.

تشوهات خلقية

مؤشرات طبية مقلقة

يقول رئيس قسم الحضانة في مستشفى التحرير للنساء والولادة بمجمع ناصر الطبي الدكتور حاتم ظهير إن المستشفى سجل ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الأطفال حديثي الولادة الذين يعانون من تشوهات خلقية، لا سيما أمراض القلب وتشوهات الأطراف والأعضاء التناسلية.

ويوضح أن هذه الزيادة ترتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها سوء التغذية، وتدهور الظروف الصحية والبيئية، وانتشار الأمراض، إلى جانب التعرض المستمر لمخلفات القصف والمواد الناتجة عنه.

ويتفق معه طبيب الأطفال محمد البلبيسي الذي يؤكد أن التشوهات الخلقية ترتبط عادة بعوامل متعددة تشمل العوامل الوراثية والجينية، وسوء التغذية، ونقص حمض الفوليك، والإصابة ببعض الأمراض المزمنة، إضافة إلى التعرض للملوثات البيئية والمواد السامة.

 ويشير البلبيسي إلى أن الحرب ضاعفت هذه المخاطر في قطاع غزة، نتيجة تراجع الخدمات الصحية ونقص الغذاء والأدوية الأساسية وصعوبة متابعة الحمل بشكل منتظم، فضلاً عن الضغوط النفسية الشديدة التي تتعرض لها النساء الحوامل.

ويضيف أن تلوث المياه وتدهور البيئة الصحية وانتشار الحشرات والقوارض وغياب شبكات الصرف الصحي تشكل عوامل إضافية تزيد من احتمالية تعرض الحوامل والأجنة لمضاعفات صحية مختلفة.

من حالات فردية إلى ظاهرة متنامية

لم تكن حور العين الحالة الوحيدة التي تكشف حجم المأساة، فقد تلقت والدة الطفلة حكمة نوفل خبر ولادة ابنتها بصدمة كبيرة بعدما ولدت بتشوهات خلقية نادرة، في واحدة من أكثر التجارب قسوة التي عاشتها الأسرة خلال الحرب.

وتقول الأم: “خلال شهور حملي واجهت أصعب الظروف. لم تكن هناك مراكز صحية مجهزة ولا أدوية كافية، وعشنا تحت القصف والنزوح والمجاعة بشكل متواصل”.

وتضيف: “كنا نسير مسافات طويلة بين الأنقاض والرصاص والقذائف. كنت أسقط وأحاول النهوض مجدداً، بينما كانت ليالٍ طويلة تمر دون طعام كافٍ أو رعاية صحية”.

حكمة نوفل

وفي مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، ما تزال والدة الطفل جلال محمد القطش تستعيد تفاصيل معاناة طفلها الذي لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر.

وتقول إن طفلها ولد وهو يعاني مرضاً نادراً تسبب بظهور بثور ممتلئة بالسوائل على جسده، قبل أن تتدهور حالته الصحية تدريجياً.

وتضيف: “راجعنا المستشفيات والمراكز الصحية كافة، وأرسلنا مناشدات للمنظمات الإنسانية والطبية، لكننا لم نجد العلاج الذي كان يحتاجه من رعاية صحية في ظل شح المستلزمات الطبية".

وبعد أشهر من المعاناة، فارق الطفل جلال الحياة وسط عجز أسرته عن توفير العلاج اللازم له.

الطفل جلال القطش

وإذا كانت قصص حور العين وحكمة وجلال تبدو حالات فردية، فإن الأرقام الرسمية تشير إلى أن ما يحدث يتجاوز نطاق الحالات المعزولة، ليعكس مؤشرات متزايدة على أزمة صحية آخذة في الاتساع بين المواليد الجدد في قطاع غزة.

أرقام تكشف حجم الأزمة

يكشف مدير دائرة المعلومات الصحية في وزارة الصحة زاهر الوحيدي أن الوزارة وثقت خلال عام 2025 ولادة 315 طفلاً بتشوهات خلقية.

ويؤكد أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من ذلك بكثير، بسبب انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية وتراجع القدرة على إجراء الفحوصات الطبية اللازمة لجميع المواليد.

ويقول الوحيدي إن نسبة التشوهات الخلقية ارتفعت بنحو 60% مقارنة بالمعدلات التي كانت تسجل قبل الحرب، حيث كانت تقل عن 32 حالة لكل عشرة آلاف مولود، فيما تجاوزت خلال الحرب 64 حالة لكل عشرة آلاف مولود.

كما سجلت الوزارة أكثر من 4900 ولادة بأوزان منخفضة، إلى جانب أكثر من 4100 حالة ولادة مبكرة، فيما توفي مئات الأطفال بعد فترة قصيرة من ولادتهم نتيجة مضاعفات صحية مختلفة.

ويربط الوحيدي هذه المؤشرات بتداعيات الحرب، بما تشمل من سوء التغذية والمجاعة والتلوث البيئي وانهيار الخدمات الصحية وظروف النزوح القاسية.

ماذا تقول التقارير الدولية؟

تتوافق هذه المؤشرات مع تحذيرات متزايدة أطلقتها منظمات أممية ودولية خلال العامين الماضيين.

وقالت مديرة التواصل في منظمة اليونيسف تيس إنغرام إن أطفال غزة باتوا يحملون آثار الحرب حتى قبل أن يفتحوا أعينهم على العالم، مشيرة إلى أن سوء التغذية بين النساء الحوامل والمرضعات يترك آثاراً خطيرة على صحة الأجنة والمواليد الجدد.

كما التقت فرق المنظمة بأطفال حديثي الولادة يقل وزن بعضهم عن كيلوغرام واحد فقط، ويواجهون صعوبات كبيرة في التنفس والبقاء على قيد الحياة.

وفي بيان مشترك، حذرت منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان واليونيسف والأونروا من أن النساء والمواليد الجدد في غزة يتحملون العبء الأكبر للنزاع، ووصفت أوضاعهم الصحية بأنها كارثية.

كما أشارت تقارير حقوقية إلى مخاوف متزايدة من الآثار البيئية والصحية طويلة الأمد الناتجة عن العمليات العسكرية واستخدام أنواع مختلفة من الذخائر، داعية إلى إجراء تحقيقات دولية مستقلة لتقييم انعكاساتها على السكان المدنيين.

آثار تتجاوز جيل الحرب

يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني الدكتور صلاح عبد العاطي أن تداعيات الحرب لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتطال الأجيال القادمة.

ويؤكد أن النساء الحوامل والأطفال كانوا من أكثر الفئات تضرراً خلال الحرب، سواء بسبب انهيار الخدمات الصحية أو سوء التغذية أو الظروف البيئية والمعيشية القاسية.

ويشير إلى أن توثيق هذه الآثار يجري عبر جمع الأدلة الطبية والقانونية والعلمية والشهادات الميدانية، تمهيداً لعرضها أمام الجهات الدولية المختصة.

ويضيف أن المؤشرات الحالية تدل على أضرار قد تستمر لسنوات طويلة، وتمتد آثارها إلى الأطفال الذين ولدوا خلال الحرب أو الذين ما زالوا في أرحام أمهاتهم.

أطفال يولدون تحت ركام الحرب

وبينما تستمر الحرب للعام الثالث على التوالي، لا تبدو آثارها محصورة في مشاهد الدمار أو أعداد الضحايا فحسب، بل تمتد إلى غرف الولادة وأقسام الحضانة، حيث تبدأ معارك جديدة يخوضها أطفال لم يعرفوا من الحياة سوى الألم منذ لحظاتهم الأولى.

وفي وقت تتزايد فيه التحذيرات الطبية والحقوقية من التداعيات بعيدة المدى للحرب على صحة الأمهات والمواليد، تتعاظم المخاوف من أن تحمل الأجيال القادمة في غزة آثار هذه الحرب لسنوات طويلة، ليصبح بعض الأطفال ضحاياها  حتي قبل ان يولدوا.

FacebookX (Twitter)WhatsApp

المقالات المرتبطة

تابعنا على فيسبوك