سماح شاهين- مصدر الإخبارية
في غزة، لا يأتي الصيف هذا العام محمّلاً بالحرارة وحدها، بل يضيف عبئاً جديداً إلى حياة أنهكتها الحرب والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية، ومع انقطاع الكهرباء يجد الغزيون أنفسهم أمام أيام وليالٍ طويلة تحت وطأة الحر، من دون أجهزة تبريد أو وسائل كافية للتخفيف من درجات الحرارة المرتفعة.
في الخيام ومراكز الإيواء والمنازل المتضررة، تتحول ساعات النهار إلى معاناة يومية، فيما يبحث السكان عن أبسط الوسائل للتخفيف من الحر، وسط شح المياه وارتفاع الاحتياجات الأساسية.
وبين أطفال ومرضى وكبار سن، يصبح الصيف اختباراً جديداً لقدرة العائلات على التكيف مع ظروف قاسية لا تملك فيها حتى حق الحصول على الكهرباء والراحة.
في خيمة بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تحاول أمل أبو جبل أم لخمسة أطفال، أن تحمي أبناءها من قسوة الصيف وارتفاع درجات الحرارة، في ظل غياب الكهرباء وافتقار الخيمة إلى أي وسيلة للتبريد.
أطفال أمل، وهم في أعمار صغيرة، لا يحتملون وطأة الحر داخل الخيمة، ما يدفعها إلى البحث يومياً عن طرق بسيطة لتخفيف معاناتهم.
تقول لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن أكثر ما يؤلمها هو رؤيتهم يتصببون عرقاً ويعانون من شدة الحرارة، فيما لا تملك سوى إمكانات محدودة لمساعدتهم.
مرتين في اليوم، تحاول أمل تبريد أجساد أطفالها عبر الاستحمام، على أمل أن يمنحهم ذلك بعض الراحة، لكن تأثيره لا يدوم طويلاً، فما إن تنتهي عملية الاستحمام حتى تعود الحرارة سريعاً إلى الخيمة، التي سرعان ما تتحول إلى مساحة خانقة مع ارتفاع درجات الحرارة.
وللتخفيف من وطأة الحر، تلجأ أمل إلى رش سقف الخيمة بالمياه، في محاولة لخفض الحرارة ولو لفترة قصيرة، لكن هذه الوسيلة لا تصمد طويلاً أمام حرارة الصيف، إذ سرعان ما تجف المياه وتعود الخيمة إلى حرارتها المرتفعة.
ومع غياب الكهرباء، لا تستطيع الأسرة تشغيل مروحة أو أي وسيلة تبريد أخرى، لتضطر أمل إلى استخدام صوانٍ بلاستيكية لتهوية أطفالها يدوياً، في مشهد يعكس حجم ما تواجهه العائلات النازحة في غزة خلال فصل الصيف.
ولم يعد الحر مجرد شعور مزعج بالنسبة لأطفالها، إذ بدأت تظهر على أجسادهم حبوب الحرارة، لتضيف مشكلة صحية جديدة إلى معاناتهم اليومية.
وتتابع أمل إن محاولاتها المتكررة لتخفيف حرارة أطفالها لا تنجح إلا لفترات قصيرة، فيما يبقى الحل الحقيقي غائباً الكهرباء ووسائل تبريد ومكان آمن ومناسب يمكن للأطفال أن يعيشوا فيه بعيداً عن ظروف الخيام القاسية.
بالنسبة لأمل، لا يتعلق الأمر بصيف عابر، بل بمعركة يومية تحاول خلالها توفير أبسط مقومات الراحة لأطفالها، في وقت تحولت فيه الحرارة وانقطاع الكهرباء إلى عبء جديد يثقل حياة الأسر النازحة في قطاع غزة.
معاناة مضاعفة
ولا تقتصر معاناة الأسر النازحة على صعوبة توفير وسائل التبريد، فبالنسبة لكريم حجازي، يتحول الصيف داخل الخيمة إلى معاناة مضاعفة، في ظل معاناة زوجته من نقص في الأكسجين وعدم قدرتها على تحمل درجات الحرارة المرتفعة.
يقول كريم لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن ارتفاع الحرارة داخل الخيمة يفاقم حالة زوجته، التي أصبحت تضطر إلى الذهاب إلى المستشفى بشكل شبه يومي بسبب صعوبة التنفس وعدم قدرتها على تحمل الأجواء الحارة.
ومع انعدام وسائل التبريد والكهرباء، يجد كريم نفسه عاجزاً عن توفير بيئة أكثر ملاءمة لها، رغم حاجتها المستمرة إلى الراحة والهواء المناسب.
ولا تتوقف معاناة الأسرة عند هذا الحد، إذ يواجه طفلا كريم أيضاً صعوبة كبيرة في النوم بسبب الحرارة، ولا سيما طفله الأصغر، البالغ من العمر ثلاثة أعوام، الذي بات يعاني اضطراباً في النوم خلال ساعات الليل والنهار.
يحاول كريم تهوية الخيمة قدر الإمكان والتخفيف من وطأة الحرارة، لكن هذه المحاولات لا توفر حلاً حقيقياً، في ظل غياب أي وسيلة تبريد يمكن للأسرة الاعتماد عليها.
ويقول كريم إن الخيمة لا توفر ظروفاً مناسبة للعيش، سواء خلال فصل الصيف أو الشتاء، مضيفاً أن الأسر النازحة تجد نفسها مضطرة إلى البقاء فيها رغم قسوة الظروف وغياب البدائل.
الافتقار لمقومات الراحة
تعيش إسلام نصير، وهي أم لستة أبناء، مع عائلتها داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الراحة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد.
تقول إسلام لـ"مصدر الإخبارية" إن فصل الصيف أصبح من أصعب الفترات على الأسرة، خصوصاً مع وجود أطفال يحتاجون إلى أجواء مناسبة للنوم والراحة.
وتوضح أن الحرارة داخل الخيمة تكون شديدة خلال ساعات النهار، ولا تنخفض بما يكفي خلال الليل، ما يجعل النوم مهمة شاقة لها ولأطفالها.
وتضيف أن محاولاتها لتخفيف الحرارة تقتصر على استخدام المياه وفتح الخيمة قدر الإمكان للسماح بدخول الهواء، لكن هذه الحلول لا تستمر طويلاً، إذ تعود الحرارة سريعاً، خصوصاً في ساعات الظهيرة.
وتقول إسلام إن أطفالها يضطرون إلى قضاء ساعات طويلة وهم يشعرون بالحر والتعب، فيما تحاول كأم توفير أي وسيلة تساعدهم على تحمل الأجواء، رغم محدودية الإمكانات وعدم توفر الكهرباء لتشغيل مروحة أو أي جهاز تبريد.
وتصف الحياة داخل الخيمة خلال الصيف بأنها مرهقة، مؤكدة أن المعاناة لا تتوقف عند ارتفاع درجات الحرارة، بل تمتد إلى غياب الخصوصية وصعوبة النوم والحاجة المستمرة إلى المياه.
وتقول: "نحن لا نطلب رفاهية، نريد فقط مكاناً يستطيع فيه أطفالنا النوم والعيش بأمان، بعيداً عن هذا الحر الذي لا نملك وسيلة للتخفيف منه".
وتؤكد أن الخيمة التي اضطرّت الأسرة للعيش فيها كحل مؤقت تحولت إلى واقع طويل الأمد، في ظل غياب بديل أفضل، لتبقى هي وأطفالها الستة عالقين بين حرارة الصيف وظروف النزوح القاسية.







