ترجمات - مصدر الإخبارية
كشفت مؤسسة “فورنسيك أركيتكتشر” المتخصصة في تحليل البنية التحتية من خلال صور الأقمار الصناعية، عن قيام إسرائيل ببناء أكثر من 25 كيلومتراً من السواتر الترابية داخل قطاع غزة منذ بدء العمل باتفاق “وقف إطلاق النار” في أكتوبر 2025، في تطور ميداني يعمّق الانقسام الجغرافي داخل القطاع ويحوّل ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” إلى حاجز مادي شبه دائم.
ووفقاً للتحليل، فإن ما كان يُفترض أنه خط فصل مؤقت ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، تحول تدريجياً إلى بنية عسكرية هندسية ممتدة، تشمل سواتر ترابية ضخمة، وقواعد عسكرية محصّنة، وطرق إمداد جديدة، ما أدى إلى إعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية داخل غزة بشكل متسارع خلال الأشهر السبعة الماضية.
توسع ميداني يتجاوز حدود “الخط الأصفر”
وبحسب البيانات التي حللتها المؤسسة، فإن إسرائيل لم تكتفِ بالتمركز شرق “الخط الأصفر”، بل توسعت غرباً في عدة مناطق، مع بناء سواتر ترابية متصلة في معظمها، تمتد على طول القطاع، وتعمل عملياً كجدار فصل يقيّد حركة السكان ويعزل مناطق واسعة عن بعضها البعض.
وأشارت النتائج إلى أن هذه السواتر لم تعد مجرد أكوام ترابية منفصلة، بل تطورت إلى بنية شبه متصلة، تمتد في بعض المقاطع لمسافات طويلة، مع توغل بعضها غرب الخط الأصفر، خصوصاً في مناطق شمال القطاع مثل جباليا، حيث تم إنشاء “منطقة عازلة” بعمق يصل إلى 300 متر عبر تدمير شامل للبنية العمرانية المحيطة.
السيطرة الميدانية ترتفع إلى أكثر من 60%
وتشير التقديرات الواردة في التحليل إلى أن إسرائيل باتت تسيطر فعلياً على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، مقارنة بـ53% عند بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما يعكس – بحسب التقرير – تحولاً تدريجياً في الواقع الجغرافي بدلاً من الانسحاب التدريجي المنصوص عليه في الاتفاق.
كما لفت التحليل إلى أن التوسع لم يقتصر على السواتر الترابية، بل شمل أيضاً تعزيز وتحصين القواعد العسكرية القائمة شرق الخط، عبر إزالة الركام، وتعبيد الطرق المؤدية إليها، وإنشاء منشآت جديدة، ورفع ارتفاع السواتر الترابية المحيطة بها لتتحول إلى نقاط مراقبة وإطلاق نار مرتفعة.
38 قاعدة عسكرية على طول الخط
وبحسب صور الأقمار الصناعية الحديثة، فإن الجيش الإسرائيلي أنشأ أو يفعّل حالياً 38 قاعدة عسكرية على طول “الخط الأصفر”، جرى تجهيزها بنمط موحّد من التحصين يشمل:
- تنظيف محيط القاعدة من الركام
- إنشاء طرق إمداد جديدة
- بناء سواتر ترابية مرتفعة
- إنشاء ممرات على قمم السواتر للدوريات والمراقبة
- ويشير التحليل إلى أن هذه القواعد تعمل فعلياً كنقاط سيطرة مرتفعة تشرف على المناطق الغربية التي يتركز فيها السكان الفلسطينيون، ما يمنحها وظيفة مزدوجة بين المراقبة العسكرية والسيطرة النارية.
تحويل الخط إلى بنية عسكرية لا حدودية
وتوضح “فورنسيك أركيتكتشر” أن ما يجري على الأرض لا يمكن اعتباره مجرد تثبيت لخط هدنة، بل عملية “هندسة جغرافية للصراع”، يتم فيها تحويل الحدود المؤقتة إلى بنية عسكرية دائمة تتحكم في توزيع السكان ومساحات الحركة.
وفي مناطق مثل جباليا، أظهرت الصور أن الجيش الإسرائيلي قام بتدمير شريط كامل بعرض يصل إلى 300 متر غرب الخط، ما أدى إلى إنشاء منطقة عازلة خالية من المباني والبنية التحتية، في خطوة تُكرّس فصلًا ميدانياً بين مناطق السيطرة المختلفة.
“الخط الأصفر” كمنظومة متحركة
ويرى التحليل أن “الخط الأصفر” لم يعد خطاً ثابتاً كما ورد في الاتفاق، بل أصبح منظومة متحركة يتم توسيعها تدريجياً عبر التوغلات والبناء الهندسي، حيث تتحول السيطرة من 53% إلى أكثر من 60%، مع استمرار التوسع غرباً.
ويشير التقرير إلى أن هذا النمط يعكس ما يسميه باحثون بـ“العنف البطيء”، حيث لا يتم التغيير عبر عمليات عسكرية مباشرة فقط، بل عبر إعادة تشكيل الأرض نفسها بما يجعل العودة إلى الوضع السابق شبه مستحيلة.
قراءة أكاديمية: تحويل السياسة إلى هندسة مكانية
ونقل التحليل عن أكاديميين مختصين في الجغرافيا السياسية أن ما يحدث يمثل محاولة لتحويل الصراع من بعده السياسي إلى بعد مكاني، عبر تحويل الخلاف حول الحقوق والسيادة إلى مسألة مسافات وتضاريس وسواتر ترابية.
ويقول أحد الباحثين إن هذا النمط من السيطرة “يعيد إنتاج أدوات استعمارية تقليدية، حيث لا يتم التعامل مع السكان كطرف سياسي، بل يتم التعامل مع الأرض كمساحة يجب إعادة تشكيلها بالقوة”.
خلاصة التحليل
ويخلص التقرير إلى أن ما يجري في قطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار لا يعكس تهدئة ميدانية بقدر ما يعكس مرحلة إعادة هندسة شاملة للجغرافيا، تقوم على:
- توسيع السيطرة الميدانية تدريجياً
- إنشاء بنى ترابية عازلة
- تعزيز القواعد العسكرية على طول خطوط التماس
- تقليص المساحة الفعلية المتاحة للسكان
ويحذر التحليل من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى “تثبيت واقع جغرافي جديد” يجعل أي انسحاب مستقبلي أكثر تعقيداً، ويعيد تعريف شكل القطاع وحدوده الداخلية بشكل جذري.
المصدر : موقع دروب سايت







