وكالات - مصدر الإخبارية
دخلت حركة التجارة في الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب اللوجستي، مع تحول “الجسور البرية” الممتدة عبر السعودية والإمارات والعراق إلى البديل الرئيسي لتعويض الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، في وقت تواجه فيه شركات الشحن العالمية اختناقات حادة وارتفاعات قياسية في تكاليف النقل بفعل استمرار التوترات الأمنية وتصاعد تداعيات الحرب مع إيران.
وكشف تقرير حديث لصحيفة فايننشال تايمز أن أسعار الشحن البحري بين شنغهاي والخليج والبحر الأحمر تجاوزت خلال الأيام الماضية المستويات القياسية المسجلة إبان جائحة كورونا، حيث ارتفعت تكلفة شحن الحاوية القياسية بطول 20 قدماً إلى أكثر من 4 آلاف دولار، مقارنة بأقل من ألف دولار قبل اندلاع الأزمة الحالية.
ويعكس هذا الارتفاع الحاد تضاعف علاوات المخاطر والتأمين، إلى جانب التكاليف الإضافية الناتجة عن إعادة توجيه السفن نحو موانئ بديلة واستخدام شبكات النقل البري الممتدة بين البحر الأحمر والخليج العربي.
وبحسب التقرير، اضطرت شركات الملاحة الكبرى إلى الاعتماد بصورة متزايدة على “الجسر البري” لنقل البضائع إلى دول الخليج، مع تحويل موانئ مثل ينبع ومدينة الملك عبدالله في السعودية، والفجيرة وخورفكان في الإمارات، إلى مراكز تفريغ رئيسية للبضائع القادمة من آسيا وأوروبا، قبل إعادة نقلها بالشاحنات إلى الدمام والبصرة وجبل علي.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة ميرسك فينسنت كليرك، أن شركات الشحن دفعت بأساطيل ضخمة من الشاحنات لتقليل الاختناقات، مشيراً إلى أن السعودية والعراق سمحتا بتوسيع حركة النقل البري عبر حدودهما، بما يشمل شاحنات قادمة من الأردن وتركيا.
ورغم هذا التحول، تواجه الحلول البرية تحديات كبيرة، إذ لا تستطيع الشاحنات تعويض سوى جزء محدود من الطاقة الاستيعابية التي كانت توفرها سفن الحاويات العملاقة العابرة لمضيق هرمز. وتشير بيانات القطاع إلى انخفاض عدد السفن المارة يومياً عبر المضيق من نحو 135 سفينة قبل الأزمة إلى أعداد محدودة للغاية، فيما تعرضت عشرات السفن لهجمات منذ بدء التصعيد.
من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة هاباغ-لويد رولف هابن يانسن إن “الجسر البري أصبح الخيار الوحيد لإدخال البضائع إلى الخليج”، لكنه حذر من أن قدرات هذه المسارات البرية أقل بكثير من حجم الطلب التجاري الحالي.
وأدى هذا الواقع إلى تراجع تدفقات التجارة إلى الخليج بنسبة تتراوح بين 60% و80% مقارنة بالمعدلات الطبيعية، وسط اضطرار الموانئ إلى إعطاء الأولوية للمواد الغذائية والإمدادات الطبية والسلع الأساسية.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى سلاسل الإمداد العالمية، حيث تواجه شحنات متجهة إلى الشرق الأوسط تأخيرات حادة في موانئ الهند وسريلانكا وموزمبيق، بينما تعاني الشركات من صعوبة تأمين مساحات شحن وإعادة جدولة الرحلات.
كما بدأت آثار الأزمة تظهر على قطاعات الغذاء والأسمدة والسلع الاستهلاكية، إذ لجأت شركات هندية إلى إعادة توجيه صادراتها عبر جدة وخورفكان ثم نقلها براً إلى أسواق الخليج، في حين تواجه تجارة الحبوب والأسمدة تحديات لوجستية معقدة بسبب ضخامة الشحنات مقارنة بقدرات النقل البري المحدودة.
وفي قطاع الأسمدة، أوضحت تقارير أن شركات سعودية تنقل شحنات اليوريا لمسافات طويلة بالشاحنات داخل المملكة، ما أضاف عشرات الدولارات إلى تكلفة الطن الواحد، في مؤشر على ارتفاع الكلفة التشغيلية للبدائل البرية.
وتسببت الأزمة كذلك في اضطرابات إنسانية، إذ أعلن برنامج الأغذية العالمي تأخر وصول عدد من شحنات المساعدات الإنسانية، مع تعطل خطوط الإمداد إلى اليمن والسودان وأفغانستان نتيجة إغلاق المسارات البحرية التقليدية.
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الأمنية في مضيق هرمز سيدفع قطاع الشحن العالمي إلى إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية والدولية، مع تصاعد الاعتماد على المسارات البرية والبديلة، حتى وإن كانت أقل كفاءة وأكثر تكلفة مقارنة بالممرات البحرية التقليدية.






