أقرّ فرنسا قانوناً جديداً يهدف إلى تسهيل إعادة الممتلكات الأثرية والفنية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية إلى بلدانها الأصلية، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في تعامل باريس مع إرثها الاستعماري، ومحاولة لإعادة بناء علاقاتها مع الدول الأفريقية على أسس جديدة تقوم على الشراكة والاعتراف التاريخي.
ويأتي القانون بعد نحو تسع سنوات من تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال خطابه الشهير في جامعة واغادوغو عام 2017، بإيجاد آليات لإعادة التراث الثقافي الأفريقي الموجود في المتاحف الفرنسية، سواء بشكل دائم أو مؤقت، ضمن مراجعة أوسع للإرث الاستعماري الفرنسي.
وينص القانون الجديد على وضع إطار قانوني يسمح بإخراج بعض القطع الأثرية من المجموعات الوطنية الفرنسية، بعدما ظل مبدأ “عدم قابلية الممتلكات العامة للنقل” يشكل عائقاً قانونياً أمام عمليات الاسترداد لسنوات طويلة.
ويشترط النص القانوني إثبات أن القطع المعنية جرى الحصول عليها بطرق غير مشروعة أو في ظروف مرتبطة بالنهب خلال الحقبة الاستعمارية، إضافة إلى إخضاع طلبات الاسترداد لمراجعة لجنتين؛ الأولى علمية تضم باحثين وخبراء، والثانية تضم ممثلين عن البرلمان والمتاحف الوطنية والدولة الفرنسية.
ويقتصر نطاق القانون على الممتلكات التي خرجت من بلدانها الأصلية بين عامي 1815 و1972، وهي الفترة التي تمتد من بدايات التوسع الاستعماري الفرنسي الحديث وحتى دخول اتفاقية اليونسكو الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية حيز التنفيذ.
ووفقاً لما ذكرته صحيفة Le Monde، فإن فرنسا سبق أن أصدرت قوانين استثنائية منفصلة لإعادة بعض القطع، من بينها إعادة 26 قطعة من كنوز مملكة أبومي إلى بنين عام 2021، إضافة إلى إعادة الطبل المقدس “جيدجي أيوكيه” إلى كوت ديفوار مطلع العام الجاري.
وفي المقابل، أثارت بعض القيود الواردة في القانون انتقادات داخل البرلمان الفرنسي، لا سيما ما يتعلق بحصر عمليات الإعادة ضمن إطار زمني يبدأ من عام 1815، إذ اعتبر معارضون أن “السرقة تبقى سرقة مهما كان تاريخها”.
وتواصل المتاحف الفرنسية حالياً مراجعة أصول نحو 90 ألف قطعة أثرية أفريقية موجودة ضمن أرشيفاتها، بينها قرابة 79 ألف قطعة محفوظة في متحف كيه برانلي المتخصص بفنون وثقافات الشعوب الأصلية.
وفي هذا السياق، أكدت مسؤولة المراسم بوزارة الثقافة الفرنسية جيهان جادو أن القانون يحمل أبعاداً سياسية وثقافية وأخلاقية، مشيرة إلى أنه يعكس اعترافاً متزايداً بضرورة مراجعة الإرث الاستعماري والتعامل معه بمنطق العدالة الثقافية واحترام ذاكرة الشعوب.
وأضافت أن الخطوة تمثل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الثقافية بين فرنسا وأفريقيا تقوم على الاحترام المتبادل، كما تمنح باريس فرصة لتعزيز قوتها الناعمة داخل القارة في ظل التنافس الدولي المتزايد.
ومن المتوقع أن تستفيد عدة دول عربية من هذا التوجه، من بينها مصر والجزائر وتونس والمغرب، وهي دول سبق أن طالبت باستعادة آثارها الموجودة في فرنسا.
وفي هذا الإطار، قادت مصر خلال السنوات الماضية حملات للمطالبة باستعادة عدد من القطع الأثرية، من بينها “زودياك دندرة” الموجود في متحف اللوفر، إضافة إلى تمثال “الكاتب الجالس”، فيما نجحت القاهرة العام الماضي في استعادة سبع قطع أثرية صادرتها السلطات الفرنسية بعد التأكد من خروجها من البلاد بطرق غير قانونية.
من جانبه، وصف عالم الآثار المصري حسين عبد البصير القانون الفرنسي بأنه خطوة مهمة، وإن جاءت متأخرة، في مسار مراجعة الإرث الاستعماري الأوروبي، مشدداً على أن القضية لا تتعلق فقط بإعادة آثار، بل باعتراف أخلاقي وتاريخي بحق الشعوب في استعادة تراثها وهويتها الثقافية.
وأشار إلى أن نجاح أي عملية استرداد مستقبلية سيعتمد على إعداد ملفات قانونية وعلمية دقيقة تثبت خروج القطع بطرق غير شرعية، مؤكداً أن استعادة الآثار تتطلب جهداً دبلوماسياً وثقافياً طويل الأمد، إلى جانب التعاون بين الدول والمؤسسات الثقافية الأوروبية.