كشف تحقيق صحافي إسرائيلي عن مسار معقد تعتمد عليه روسيا لتهريب القمح من مناطق أوكرانية خاضعة لسيطرتها إلى السوق الإسرائيلية، عبر عمليات بحرية تشمل نقل الشحنات في عرض البحر وإخفاء مصدرها، وسط تقديرات بأن هذه التجارة تُستخدم لتمويل الحرب الروسية على أوكرانيا.
وبحسب ما أوردته صحيفة "هآرتس"، فإن سفينة شحن روسية تُدعى "أفينسك" رست مؤخرًا في ميناء حيفا محمّلة بشحنة قمح، قالت الحكومة الأوكرانية إنها "مسروقة من أراضٍ محتلة"، وقدّرت قيمتها بملايين الدولارات. وأثارت هذه الواقعة احتجاجًا رسميًا من كييف، التي كانت قد حذّرت إسرائيل مسبقًا من السماح للسفينة بالدخول.
وأشار التحقيق إلى أن هذه الحادثة ليست استثنائية، إذ أظهرت بيانات ملاحة ووثائق رسمية وصور أقمار اصطناعية وصول سفينتين على الأقل محمّلتين بحبوب مسروقة إلى إسرائيل خلال عام 2023، إضافة إلى وجود شبهات تحيط بنشاط سبع سفن أخرى يُعتقد أنها حاولت إخفاء مصدر شحناتها. كما كشفت سجلات موانئ في مناطق أوكرانية خاضعة لروسيا عن أكثر من 30 شحنة قمح كانت موجهة إلى إسرائيل.
ووفق مصادر مطلعة، فقد تم تفريغ ما لا يقل عن أربع شحنات مماثلة في إسرائيل خلال العام الجاري، فيما تنتظر سفينة أخرى الدخول إلى ميناء حيفا، ما يعكس استمرار هذه العمليات.
وتعتمد آلية التهريب، بحسب التحقيق، على ما يُعرف بعمليات "النقل من سفينة إلى أخرى"، حيث تُنقل الحبوب في عرض البحر الأسود بعيدًا عن الموانئ الرسمية، غالبًا قرب مضيق كيرتش، مع إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بالسفن أثناء عمليات التحميل لتفادي الرصد، قبل إعادة تشغيلها لاحقًا والتوجه نحو وجهتها النهائية.
ويُعد هذا السلوك، وفق خبراء في الشحن البحري، مؤشرًا واضحًا على محاولة إخفاء مصدر الشحنات، خاصة عندما تعود السفن إلى الظهور على أنظمة التتبع بعد تحميلها بالكامل.
وسلّط التحقيق الضوء على مسار إحدى الشحنات، حيث نُقل القمح من ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم عبر سلسلة من السفن، بينها "ماتروس بوزينيتش" و"غرينديل" و"سانت أولغا"، التي أطفأت جهاز التتبع أثناء تحميلها في عرض البحر قبل أن تصل إلى ميناء أسدود في تموز/ يوليو 2023، وعلى متنها نحو 27 ألف طن من القمح.
كما تناول التحقيق حالة سفينة "سورد ليون"، التي غادرت ميناء حيفا دون تفريغ حمولتها بعد إثارة القضية إعلاميًا، قبل أن تتجه إلى تركيا حيث أفرغت الشحنة هناك.
وبحسب المعطيات، فإن روسيا طورت هذه المنظومة منذ بداية الحرب، بعد تعثر محاولاتها الأولى لتصدير الحبوب من الموانئ المحتلة، وتشمل هذه العمليات خلط الحبوب الأوكرانية بالروسية واستخدام سفن صغيرة لنقلها إلى "مستودعات عائمة" في عرض البحر، قبل إعادة شحنها.
وأظهرت وثائق رسمية روسية نقل ما لا يقل عن 120 شحنة حبوب عبر موانئ القرم خلال فترة محددة، بينها 31 شحنة كانت متجهة إلى إسرائيل بوزن إجمالي يصل إلى نحو 90 ألف طن.
في المقابل، اعتبرت أوكرانيا أن استيراد هذه الشحنات يمثل انتهاكًا، مطالبة إسرائيل بالتعاون القانوني لمنع دخول ما وصفته بـ"السلع المسروقة". غير أن وزارة الخارجية الإسرائيلية اكتفت بالإشارة إلى أنها نقلت ردودها عبر القنوات الدبلوماسية، دون توضيح إجراءات مستقبلية محتملة.
ويعكس هذا الملف تعقيدات متزايدة في سلاسل الإمداد العالمية، في ظل الحرب المستمرة، وسط صعوبات في تتبع مصادر السلع، خاصة عندما تُستخدم أساليب متقدمة لإخفاء منشأها.