سماح شاهين- مصدر الإخبارية
تجلس ألماظة أبو هنية على كرسيها المتحرك داخل خيمتها في دير البلح، يحيط بها صمت ثقيل لا يكسره سوى أنين المرض الذي أنهك جسدها، لم تعد قادرة على الحركة كما في السابق، بعد أن تمدد السرطان في جسدها وسلبها قدرتها على المشي، تاركًا إياها تواجه معركة قاسية في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد.
تروي ألماظة بصوت متعب تفاصيل رحلتها مع المرض، مشيرة إلى أن حالتها الصحية تتدهور يومًا بعد يوم، في ظل غياب العلاج اللازم داخل قطاع غزة.
وتوضح لـ"شبكة مصدر الإخبارية" أن الأطباء رغم محاولاتهم، عاجزون عن تقديم الرعاية المطلوبة بسبب نقص الإمكانيات الطبية والأدوية، ما يجعل فرص نجاتها تتضاءل مع مرور الوقت.
وتضيف: "كل يوم بمرّ عليّ وأنا خايفة يكون الأخير، ما في علاج، وما في أمل هون"، معبرة عن خوفها المستمر من فقدان حياتها في أي لحظة، في ظل هذا الواقع القاسي الذي يفتقر لأبسط مقومات الرعاية الصحية.
أمل ألماظة الوحيد يتمثل في السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، حيث تقول إن حياتها باتت معلقة بفتح معبر رفح، الذي يمثل لها نافذة النجاة الأخيرة، تنتظر دورها بفارغ الصبر، وسط قلق متزايد من أن يداهمها الموت قبل أن تتمكن من المغادرة.
وتشير إلى أن الانتظار ليس سهلًا، بل هو معركة أخرى موازية لمعركتها مع المرض، حيث تعيش كل يوم على أمل أن يُسمح لها بالسفر، في وقت تتسارع فيه وتيرة المرض داخل جسدها، مردفًة: "نفسي أتعالج، نفسي أعيش".

تهديد ببتر القدم
تجلس شروق أبو غليون (27 عامًا) داخل مكان نزوحها، تمسك بقطعة قماش صغيرة وتغرز فيها إبرة التطريز بخيوط ملوّنة، محاولة أن تصنع من الألم شكلًا للحياة، منذ أن كانت رضيعة بعمر سبعة أشهر، بدأت رحلتها مع مرض السرطان، رحلة طويلة لم تنتهِ فصولها، بل ازدادت قسوة مع مرور السنوات.
تروي شروق لـ"شبكة مصدر الإخبارية" أن المرض رافقها في مختلف مراحل حياتها، لكن الحرب والظروف الراهنة فاقمت معاناتها بشكل كبير، حتى اضطرت إلى بتر قدمها بعد أن انتشر السرطان فيها.
اليوم، تعيش بقلق دائم، بعد أن أصبحت قدمها الأخرى مهددة بالمصير ذاته، في ظل غياب العلاج والرعاية الطبية اللازمة داخل قطاع غزة.
وتقول بصوت يختلط فيه التعب بالأمل: "كل يوم بصحى وأنا خايفة أفقد كمان رجلي، أو يسبقني المرض قبل ما ألاقي علاج"، مشيرًة إلى أن حالتها الصحية تتدهور تدريجيًا، فيما يقف الأطباء عاجزين عن تقديم ما تحتاجه بسبب نقص الإمكانيات الطبية.
ورغم قسوة المرض، تحاول شروق التمسك بالحياة من خلال موهبتها في التطريز، حيث تقضي ساعات يومها في إنجاز أعمال يدوية بسيطة، تسعى لبيعها لتوفير جزء من احتياجات أسرتها.
تقول: "التطريز هو الشي الوحيد اللي بخليني أنسى شوي… وبساعدني أوقف مع أهلي".
أملها الوحيد اليوم هو السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، إذ تنتظر يوميًا فرصة إجلائها، في سباق مع الزمن. تؤكد أن بقاءها في غزة يعني تدهور حالتها بشكل أكبر، مطالبة الجهات المعنية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ حياتها قبل فوات الأوان.

جسد منهك
تحتضن الطفلة هند حمدونة جسدها الصغير المتعب داخل مكان نزوحها، بينما تراقبها والدتها بقلق لا يفارقها، تعاني من تضخم في الطحال والكبد، وهو مرض أثقل جسدها وأدخل عائلتها في دائرة خوف يومي، يتفاقم مع شح الأدوية وغياب الرعاية الطبية الكافية في قطاع غزة.
تروي والدتها بحزن تفاصيل معاناة ابنتها، مشيرة إلى أن حالتها الصحية تتدهور مع مرور الوقت، في ظل عدم توفر العلاج اللازم.
تقول لـ"شبكة مصدر الإخبارية": "بشوفها بتتعب قدام عيوني، وما بقدر أعملها إشي"، موضحة أن المستشفيات تفتقر للإمكانيات والمستلزمات الطبية الضرورية لعلاج مثل هذه الحالات.
وتضيف الأم، بصوت يختنق بالألم، أنها تعيش هاجس الفقدان يوميًا، خاصة بعد أن فقدت ابنها الآخر بسبب المرض ذاته.
"مش قادرة أتحمل أخسرها زي أخوها"، تقولها وهي تحاول التماسك أمام مرض ابنتها الذي ينهش جسدها بصمت.
وتؤكد أن أملها الوحيد اليوم هو سفر هند إلى الخارج لتلقي العلاج المناسب، في ظل انعدام الخيارات داخل غزة، تنتظر أي فرصة تفتح باب النجاة لابنتها، وسط خوف متزايد من أن يسبقها المرض قبل تحقيق ذلك.
تناشد والدة هند الجهات المعنية التدخل العاجل لإنقاذ حياة طفلتها، والسماح لها بالسفر قبل فوات الأوان، مؤكدة أن كل يوم تأخير قد يكون ثمنه حياة ابنتها.
انهيار وشيك
حذّر مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، محمد أبو عفش، من اقتراب توقف عمل المستشفيات نتيجة النقص الحاد والمتزايد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى شح الوقود اللازم لتشغيل المولدات، بما في ذلك الزيوت الخاصة بها، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع يهدد حياة آلاف المرضى.
وأشار أبو عفش إلى أن القطاع الصحي يواجه منذ فترة طويلة أزمات متكررة، خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة وأدوية القلب، لافتاً إلى أن الحلول المتاحة تظل محدودة ومؤقتة، ما يؤدي إلى عودة الأزمة بشكل متواصل دون معالجة جذرية.
ودعا المؤسسات الدولية إلى التدخل الفوري، وزيارة المرافق الصحية للاطلاع عن كثب على حجم التحديات القائمة.
وفي السياق ذاته، نبّه إلى تدهور الأوضاع البيئية والصحية، مع تسجيل انتشار غير مسبوق للقوارض في عدة مناطق من القطاع، خاصة في مدينة غزة والمناطق الجنوبية، موضحاً أن هناك تزايداً ملحوظاً في حالات الإصابة، لا سيما بين الأطفال ومرضى السكري.
وأضاف أن هذه الظاهرة تمثل تهديداً إضافياً مع اقتراب فصل الصيف، في ظل بيئة مواتية لتكاثر القوارض نتيجة تراكم النفايات ومياه الصرف الصحي، مطالباً بضرورة إدخال مبيدات حشرية بشكل عاجل، لتفادي تفشي أوبئة قد تتجاوز قدرة النظام الصحي المنهك على الاستجابة.