منى هيثم أبوحدايد – مصدر الإخبارية
في معسكر جباليا شمال قطاع غزة، لم يكن الشاب الفلسطيني محمد صالح يتخيل أن لحظةً واحدةً كفيلةٌ بقلب حياته رأساً على عقب. ففي السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أُصيب محمد بقصف استهدف الحي السكني الذي يعيش فيه، ليتحول ذلك اليوم إلى نقطةٍ فاصلةٍ في مسار حياته، بعدما أُصيب بشللٍ نصفيٍ أقعده على كرسيٍ متحركٍ، وحول أحلامه من حياةٍ طبيعيةٍ إلى معركةٍ يوميةٍ من أجل البقاء.
يوثق محمد أهوال اللحظة بالقول: "إن شدة القصف حالت دون وصول سيارات الإسعاف إلى المصابين، حيث بقينا ننزف وسط حالةٍ من الفوضى والخطر، قبل أن يتم نقلنا بصعوبةٍ إلى مستشفى كمال عدوان".
وعند وصوله إلى المستشفى، كان في استقباله واقعاً صحياً منهاراً؛ من انقطاعٍ في الكهرباء، ونقصٍ حادٍ في الإمكانيات الطبية، وخروج أجهزة الأشعة والمعدات اللازمة للتشخيص عن الخدمة، في وقتٍ كان الكادر الطبي يعمل بما تبقى من أدواتٍ في محاولةٍ لإنقاذ الأرواح.
تدهورت حالة محمد الصحية، ونُقل إلى مستشفى الشفاء وهو يعاني من نزيفٍ داخليٍ حادٍ. يصف محمد المشهد داخل المستشفى: "كان صادماً؛ الأرض ممتلئةٌ بالدماء، والجرحى في كل مكان، والمصابين متكدسين على الأسرّة، فبقيت ملقىً على الأرض بين المصابين".
أُجريت له عمليةٌ أوليةٌ سريعةٌ لإيقاف النزيف، ثم انتظر ساعاتٍ طويلةً بقي خلالها يصارع ألمه بصمتٍ، إلى أن خلا سريرٌ بعد استشهاد أحد الجرحى، ليحظى هو بفرصةٍ للنجاة. كانت تلك الساعات، كما يصفها، ساعاتٍ بين الحياة والموت، في مشهدٍ يختصر حجم المأساة الإنسانية داخل المستشفى المحاصر.
عاش محمد أياماً قاسيةً في قسم العناية المركزة، قضاها بين ألم ينهش جسده، وحصار الجثث المشوهة من حوله، في صورةٍ لا تغيب عن ذاكرته حتى اليوم، قبل أن يتم نقله إلى مستشفى ناصر في خان يونس، تمهيداً لاستكمال رحلة علاجه خارج القطاع. إلا أن القصف المكثف وإطلاق النار جعلا الأيام التي سبقت اقتحام المستشفى شديدة القسوة على المرضى والكوادر الطبية.
يقول محمد: "اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى ناصر واعتقلت عدداً من أفراد الطواقم الطبية، وفصلت المرضى عن مرافقيهم، وفُصلت أنا عن والدتي، ورزحت 48 ساعةً تحت الاعتقال والضرب والإهانة، بينما كنت عاجزاً تماماً عن الدفاع عن نفسي بسبب إصابتي".
· أبٌ تحت الأنقاض وأخٌ في عداد الغياب
لم تتوقف معاناته عند حدود الإصابة والاعتقال. فخلال الحرب، فقد محمد والده إثر قصفٍ إسرائيلي، ولم يُعثر على جثمانه إلا بعد أشهرٍ طويلةٍ بسبب الحصار.
أما شقيقه الأصغر أحمد، فلا يزال مفقوداً حتى اليوم. يؤكد محمد أن البحث عنه تحول إلى كابوسٍ يوميٍ، إذ يضطر إلى مشاهدة صور الجثث المشوهة والمحترقة في محاولةٍ للتعرف على أي أثرٍ لشقيقه.
ويشدد على أن عملية البحث عن المفقودين بأنها من أصعب ما يمكن أن يمر به إنسانٌ، لما تتركه تلك المشاهد من أثرٍ نفسيٍ عميقٍ لا يفارقه.
· ألمٌ مستمرٌ و نداءٌ إنسانيٌ
اليوم، يعيش محمد في خيمةٍ شمال قطاع غزة، في ظل غيابٍ شبه كاملٍ للخدمات الطبية. تبعد أقرب نقطة علاجٍ عدة كيلومتراتٍ عنه، ما يجعل الوصول إليها مهمةً شاقةً، خاصةً مع ظروف البرد والطين والمياه التي تعيق حركته اليومية.
أما معاناته مع آلام الأعصاب الناتجة عن الشلل النصفي فلا تزال مستمرة، يزيد من وطأتها صعوبة الحركة في بيئةٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ليجد نفسه أسيراً لكرسيٍ متحركٍ في مساحةٍ لا تحميه من قسوة الطقس ولا تنفع فيها محاولاته البائسة للتخفيف من آلامه.
وفي ظل وضعه المأساوي، يوجه محمد نداءً إلى المؤسسات الدولية والإنسانية لتوفير العلاج اللازم لحالته المستعصية، بما يشمل العلاج الطبيعي والأجهزة الطبية، والسماح له بالسفر للعلاج خارج القطاع. في وقتٍ أضحى فيه هذا الحق حلماً يعبر عنه بالقول: "اختزلت أحلامي في أمنيةً واحدةً بسيطةً، وهي أن أقف على قدماي من جديدٍ، وأن أستعيد قدرتي على الحركة".
قبل الحرب، كان محمد شاباً يسعى لبناء مستقبله، أما اليوم فيعيش بين جسدٍ مثقلٍ بالإصابة، وأبٍ غائبٍ، وأخٍ مفقودٍ، في قصةٍ إنسانيةٍ تعبر عن معاناة آلاف الجرحى في غزة، الذين لا تزال حياتهم معلقةً بين ألم الإصابة والفقد وألم انتظار العلاج.