قراءة أولية.. لأكتوبر غزة!

أقلام – مصدر الإخبارية

قراءة أولية .. لأكتوبر غزة !، بقلم الكاتب الفلسطيني نبيل عمرو، فيما يلي نص المقال كاملًا كما وصل موقعنا:

حماس.. أسمته طوفان الأقصى.

وإسرائيل أسمت ردها بالسيوف الحديدية.

دعونا من التسميات، لنتحدث عن التوصيف الحقيقي لما جرى ويجري.

هي أولاً.. حرب ردع المغرور نتنياهو والمهووسون من قادة ائتلافه.

وهي حرب الرد على الاستخفاف الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني، واعتباره غير موجود، ويمكن السيطرة عليه ببعض الخدمات والتسهيلات.

وهي حرب الرد على الاستباحة الإسرائيلية، للكرامة الفلسطينية والحقوق الفلسطينية والحاضر والمستقبل الفلسطيني.

هي حرب على تشريع إطلاق النار على الفلسطينيين وفق رغبة الجيش، وحرس الحدود وقطعان المستوطنين، والتشريع المقصود مطروح على البحث في المؤسسات الحكومية صاحبة القرار.

هذا بعض منها على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني، أما على الصعيد الأوسع، فهي حرب أجهزت كليا على بقايا أوسلو التي لم يعد أحد يجرؤ على مجرد الحديث عنها.

هي حرب تقول للأمريكيين إن تدليلكم المفرط للتطرف الإسرائيلي أثمر دماً ودماراً وأيتاماً جدد، وتشرد جديد، وهذه المرة ليس على مستوى الفلسطينيين وحدهم، بل وعلى الإسرائيليين.

حرب.. غيرت معادلات وانتجت معادلات جديدة.

غيرت زمنا، وفتحت زمناً آخر، بدا أن كل ما حدث بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023 مجرد ماضٍ لسلام وإن استقر جزئيا إلا أنه لم يعد قابلاً للحياة كلياً.

والمسؤول الذي لن ينجو من الإدانة، هو كل من تفهم دوس وزراء نتنياهو على رؤوس المصلين في الأقصى واعتبره دفاعاً عن النفس. وكل من تفهم بصق المستوطنين على رجال الدين المسيحيين على أنه من صلب الثقافة اليهودية، وهذا ما لم أقله أنا بل قاله مسؤولون كبار في إسرائيل. ما حمل الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي إلى القول إن إسرائيل بصقت على وجه العالم..

هذه الحرب.. هي انفجار لمرجل يغلي منذ سنوات، كان يتم تنفيسه بتهدئة، إلى أن لم يعد للتنفيس من قدرة على منع الانفجار.

هذه الحرب.. بطلها وربما يكون ضحيتها في ذات الوقت نتنياهو، وجيشها كل الذين لم ينصفوا الفلسطينيين. وتركوهم فريسة لقوة عسكرية غاشمة تفعل بهم ما تشاء، وتغاضوا عن حصارات لم تنجو منها مدينة أو قرية أو حي فلسطيني.

ذهب الفلسطينيون على طريق السلام حين رفعوا غصن الزيتون أمام العالم، وأصر أعداء السلام والحق والعدل على اسقاطه من يدهم، لم يكن ما حدث عند السادسة والنصف صباح السابع من أكتوبر مجرد عملية عسكرية، بل انفجار مرجل يغلي منذ سنوات ولم ينفع معه التنفيس ولا التبريد.

قد يدعي كثيرون ما حدث على أنه إنجاز من جانبهم، والحقيقة تقول إنه إنجاز لشعب محاصر على خصم قتله الغرور، إنجاز غزي منفرد بامتياز.

أقرأ أيضًا: نهج أبراهام بين التباهي والحسابات الغشيمة.. بقلم نبيل عمرو

نهج أبراهام بين التباهي والحسابات الغشيمة.. بقلم نبيل عمرو

أقلام-مصدر الإخبارية

كتب نبيل عمرو الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، وفق خطّة ونهج أبراهام التي ابتدعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وثبّتتها إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، نجحت في تأسيس وإدامة علاقات ثنائية مع إسرائيل، إلا أنّها لم تؤثّر إيجابياً على القضية الفلسطينية.

فمنذ الدخول من هذا الباب وإلى يومنا هذا وإلى أجل غير مسمّى، تتدهور الأمور على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وتتعقّد إن لم نقُل تستحيل فرص التسوية.

انقلب نهج أبراهام على هذا الأساس، وبجرّة قلم على يد رئيس أميركي إشكاليّ، حدث ما يلي:

– منح الجولان لإسرائيل.

– اعترف بالقدس عاصمة لها.

– وعد الفلسطينيين بقرية صغيرة إلى جوارها اسمها “أبو ديس” تكون عاصمة لهم، ينطلق منها ممرّ إلى الأماكن المقدّسة للصلاة.

– فوق ذلك منح إسرائيل، وعلى خريطة محدّدة، أكثر من ثلاثين في المئة من أراضي الضفّة التي لا تتجاوز ستّة آلاف كيلومتر مربّع، مع اتصال بين ما حُدّد للفلسطينيين من أمكنة، إمّا “بخردقة” الأرض بالأنفاق، أو تفاديها بالجسور المعلّقة.

– هكذا وفق ترامب ولد أغرب وأعجب كيان على وجه الأرض، تطوّع نتانياهو بالسماح لسكّانه بأن يسمّوه إمبراطورية لو أحبّوا.

في زمن مدريد – أوسلو، أجمع أطراف النزاع على أنّ القضية الفلسطينية هي الأساس، وإذا ما رغب العالم في إحراز تسوية شرق أوسطية فهي البداية، ومن خلال حلّها يكون إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي تلقائياً وحتمياً.

اختُبر نهج أبراهام في منعطفات عديدة، وكانت النتيجة أنّ العلاقات الثنائية بكلّ الأغلفة الورقية الملوّنة التي لُفّت بها لم تغيّر من عمق العداء الشعبي للاحتلال الإسرائيلي، وكان ما جرى في مونديال قطر نموذجاً مختزلاً قويّ البلاغة والدلالة.

هذا ونهج أبراهام ما يزال في بداياته. أمّا في أوّل الطريق حيث السودان فتبيّن للمطبّعين أنّ الآمال التي عُلّقت على إسرائيل كممرّ إلى أميركا والغرب تبدّدت، وأنّ الترياق الذي سيأتي به التطبيع لم يصل ولن يصل!

بين التباهي والحسابات الغشيمة

أتحدّث عن عيّنات مجتزاة، لكنّها تحمل دلالات أوسع وأعمق، إلا أنّ العيّنة الأخيرة التي حدثت وكانت بطلتها ثم ضحيتها، وزيرة خارجية ليبيا. فقد قدّمت ما يمكن اعتباره صورة نهائية لفكرة أبراهام وتطبيقاتها.

ما حدث أظهر بوضوح شديد سقوط نهج التطبيع “بين التباهي.. والحسابات الغشيمة”. فالتباهي بالتطبيع والمبالغة في البناء عليه هما أساس الدعاية التي تقوم بها القوى المتصارعة على الحكم في إسرائيل من خلال اختراع إنجازات تحصد أصواتاً في كلّ يوم.

فها نحن أمام تصريح غير مؤكّد عن اقتراب التطبيع الكامل مع السعودية، وتصريحات عن أنّ أكثر من دولة عربية وإسلامية تقف في “الطابور” كي تطبّع. وبفعل التباهي والمزايدات الداخلية تعجّل وزير خارجية إسرائيل إيلي “كوهين” وأعلن اللقاء الذي عقده مع وزيرة خارجية ليبيا نجلا المنقوش والمفترض أن يكون سرّياً، ليسجّل لنفسه مأثرة تاريخية يظنّ أنّها تصوّره “فاتحاً لبلاد الفاتح”، وبفعلته هذه لا يدفع شيئاً بل يقبض كلّ شيء، ومن ضمنه مال من الخزينة الليبية لتعويض اليهود الليبيين عمّا تركوه وراءهم.

اقرأ/ي أيضا: تفاصيل الجلسة التي صادقت بها الحكومة الإسرائيلية على اتفاقية أوسلو عام 1993

كما قال نبيل عمرو أن الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، وفق خطّة أبراهام التي ابتدعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وثبّتتها إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، نجحت في تأسيس وإدامة علاقات ثنائية مع إسرائيل، إلا أنّها لم تؤثّر إيجابياً على القضية الفلسطينية

أجمع الشعب الليبي على رفض ما حدث، ولم يصدّق أحدٌ التبريرات الساذجة التي حاولت تصوير الأمر كما لو أنّه مجرّد لقاء عابر تمّ بالصدفة.

وبذلك وقع من خطّط ونفّذ هذا اللقاء في شرّ “جهله وغشمنته” فانتهت الوزيرة بأن أُقيلت وغادرت البلاد، وانتهى التطبيع، وبارت بضاعة التباهي. فلم يعُد أحد في إسرائيل يصدّق ما يُقال على لسان السياسيين. ولم يعُد في ليبيا وغيرها من يستسهل تطبيعاً من أيّ نوع.

فما حدث مع وزيرة الخارجية الليبية أثبت أنّ التطبيع أضحى بضاعة مسروقة، لا يعرف من فعل هذه السرقة كيف يُخفيها، ولا كيف يستفيد منها، بل إنّها من ألفها إلى يائها تجارة خاسرة لم تنتج غير فضيحة.

هذه اللعبة العابثة ما يزال معمولاً بها في أميركا، ولدى القطبين الرئيسيَّين الجمهوري والديمقراطي. والمثير للسخرية أنّ الأميركيين والإسرائيليين والمتواطئين معهما في ليبيا، اعتبروا الأمر مجرّد خطأ فنّي، إذ تمّ توجيه اللوم إلى كوهين على تسرّعه في الإعلان.

جرى تهريب الوزيرة إلى مكان آمن من العقاب، ولم يبقَ على السيد بلينكن الذي ما يزال يقود عربة أبراهام، إلّا أن يقول كما قالت العرب ذات هزيمة: “خسرنا معركة ولم نخسر حرباً”، وما كسره كوهين المتسرّع و “المنقوشة” الساذجة، يمكن جبره بمحاولة أخرى مع ليبيا أو مع غيرها، ولننتظر ما ستأتينا به الأيّام.

فتح المرونة والعقلانيّة والاعتدال… ماضياً وحاضراً

بقلم- نبيل عمرو

قادت فتح، في زمن ياسر عرفات، الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، منذ دخول أوّل فدائي حتى الخروج الأخير لعرفات منه. وإذا ما قرأنا مرحلة التأسيس الأولى لحركة فتح، فإنّ لبنان لم يكن ساحة حيويّة للانطلاق والعمل وحسب، بل كان مؤسّساً مباشراً من خلال لبنانيين أقحاح تجاوزوا حدود “التضامن الأخويّ” أو الدعم واندمجوا في الفكرة والإطار والعمل.

مع كثافة الوجود الشعبي الفلسطيني، الذي انتشر على الجغرافيا اللبنانية شمالاً ووسطاً وجنوباً، تكرّس الوجود المسلّح على نحو استحال إنهاؤه، بل تأكّد بشرعية حكومية لبنانية من خلال اتفاق القاهرة في عام 1969، الذي أنتج ما سمّي بـ”فتح لاند”.

غير أنّ هذا التكريس وما حظي به من شرعية حكومية، لم يمنع من ظهور معارضة فعّالة لهذا الوجود، وهو ما فتح أبواباً واسعة لاقتتالات من كلّ نوع، حتى إنّه قيل: “الجميع اقتتل مع الجميع”، فتحوّل لبنان إلى ساحة حرب مركّبة بُذلت من أجل وقف تمدّدها جهود محلية وإقليمية ودولية إلا أنّها جميعاً باءت بالفشل.

كان الوجود الفلسطيني المسلّح العنوان المتداول للاقتتال أثناء وجوده وتوسّعه. وعلى الرغم من وجود حلفاء وشركاء لبنانيين له، إلا أنّ جهداً دولياً وإقليمياً جماعياً تبلور لإخراجه عبر جراحة جذرية قام بها الجيش المؤهّل لدور من هذا النوع، وهو الجيش الإسرائيلي.

عرفات، “قائد التجربة”، غادر لبنان مرّتين:

– الأولى من مرفأ بيروت تحت حراسة الأسطول السادس الأميركي، وبترتيبات من الأميركي اللبناني الأصل فيليب حبيب.

– والثانية من طرابلس بجهد فرنسي مصري مشترك، ولا يخلو الأمر من مباركة أميركية.

عرفات ومعادلة القوّة

لأنّ معادلة القوّة الفلسطينية كان رقمها عرفات، وحيث وُجد وُجد مركزها وعقلها ومركز فاعليّتها، فقد انتقل الفعل الفلسطيني السياسي الرئيس إلى الخارج، والجميع يعلم باقي الحكاية من المنفى التونسي الأخضر إلى العودة إلى الوطن على جناح اتفاق أوسلو.

ولأنّ ذلك حدث على مدى عقود خلت، فالتذكير به يبدو مفيداً. فالإضاءة على الماضي تنير الحاضر وما يحدث فيه.

لم يكن الوجود الفلسطيني المسلّح وتغلغله في الحياة اللبنانية بالجملة والتفصيل نموذجيّاً ومفهوماً ومحميّاً تماماً. لم تنفع مقولة لبنان الممرّ وليس المستقرّ في تفسيره وتجديد شرعيّته، إلا أنّ إدارة وجوده الملتبس التي قادها ياسر عرفات، كانت ناجحة إلى حدّ كبير. ليس بفعل القوّة العسكرية الهائلة التي بُنيت على أرض لبنان كلّه. فعلى أهميّتها وأساسيّة دورها، كانت في المرتبة الثانية بعد القوّة التحالفيّة التي انتشرت داخل النسيج اللبناني، ومع محيطه الإقليمي والدولي. كان العرب جميعاً، باستثناء التحفّظ السوري، يدعمونه ما دام بعيداً عن بلدانهم. أمّا أميركا وأوروبا فكانتا تتعاملان معه كقوّة أمر واقع تصلح للترويض أكثر ممّا تصلح للاقتلاع.

أمّا إسرائيل فكانت تتعامل معه بطريقتها المفضّلة: العمليات العسكرية المحدودة التي ستعود في نهاية الأمر إلى عملية شاملة وحاسمة.

حين يخرج عرفات من قلب الساحة، تضعف الأطراف. وأينما وُجدت الثورة الفلسطينية وحركة فتح وعرفات يتقرّر مصير الحالة. حين كانت حركة فتح وعرفات على أرض الحالة كان الجميع، الأصدقاء والخصوم، يجدون من يتحدّثون معه، ويتوصّلون إلى تفاهم معه تضمنه المرونة وحسن استخدام القدرات. وهذه الخاصيّة لم تعد متيسّرة الآن، لا في لبنان ولا في أيّ مكان.

فتح المرونة والعقلانيّة

بوسعك أن تقول ما تشاء عن تلك المرحلة اللبنانية الفلسطينية العرفاتيّة، إلا أنّ ما يشبه الإجماع في الرأي والتحليل والخلاصات يقود دوماً إلى أنّ “فتح” كانت الأكثر عقلانية في التعامل مع الأطراف اللبنانية، المقاوِمة لها والمتحالفة معها. وإذا كانت تؤدّي أدواراً تنطوي على خطأ أو خطيئة، فكانت تذهب إليها مكرهة، بفعل محدودية قدرتها على ضبط تيار الأجندات المتصارعة، وما تقود إليه من مجازفات ومخاطرات تصل حدّ إشعال حرب.

لقد ورثت “فتح” هذا النهج حين بقيت في لبنان بعد مغادرة رجل المركز والقرار. لم تستطع فرض إرثها كما يجب على الأرض ليس بقرار ذاتيّ منها، وإنّما بفعل المستجدّات التي حرمتها مكانة القوّة المركزية المقرِّرة حيثما وجد فلسطينيون.

أخيراً يشكّل ضعف “فتح” في المركز والأطراف ضعفاً أكيداً للعقلانية والاعتدال وضعفاً للمرونة البنّاءة، حتى إنّه ضعف للحدود الدنيا من مقوّمات الحياة للمخيّم خارج الوطن، ولكلّ ما هو على أرض الوطن.

لهذا كانت مقتلة عين الحلوة درساً، وإن كانت ضروريّةً معالجتها موضعيّاً بحكم الحاجة الملحّة، فإنّها تدعو إلى معالجة حال “فتح” من الأساس.

على الرغم من كلّ الانتكاسات والتراجعات والانقسامات والانشقاقات تظلّ “فتح” الفكرة والثقافة والمنهج مصلحةً فلسطينيةً أساسيةً وعربيةً ودولية، وفاعليّتها ينبغي أن تنطلق من ذاتها، وما أكثر ما يتعيّن على “فتح” أن تفعل، كي تستعيد نفوذها أوّلاً على أرض مشروعها الأساسي فلسطين، ولتستعيد حضورها الفعّال حيثما وُجد فلسطينيون، ودون ذلك تكون مقتلة عين الحلوة حلقة في سلسلة وحسب، وهذا ما لا يريده اللبنانيون قبل الفلسطينيين.

اقرأ أيضاً: زكريا محمد.. الحياة عصفور دوريٌّ أغبر

Exit mobile version