وكالات - أظهر سوق العمل الأميركي مؤشرات جديدة على استمرار قوته خلال أكتوبر، بعدما تسارعت وتيرة التوظيف وتراجع معدل البطالة إلى 4.1%، في انعكاس لمرونة الاقتصاد الأميركي وقدرته على مواصلة التوسع رغم التحديات المرتبطة بالتضخم والسياسة النقدية.
وبحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي الصادرة يوم الجمعة، أضافت الوظائف غير الزراعية 165 ألف وظيفة خلال أكتوبر، مع تعديل بيانات التوظيف الخاصة بالشهرين السابقين بالزيادة، بما يعكس أداءً أفضل لسوق العمل مقارنة بالتقديرات الأولية.
وجاءت مكاسب التوظيف موزعة على مجموعة واسعة من القطاعات الاقتصادية، في مقدمتها الخدمات المهنية وخدمات الأعمال والرعاية الصحية، ما يشير إلى استمرار الطلب على العمالة في أنشطة رئيسية داخل الاقتصاد الأميركي.
وتفاعلت الأسواق المالية مع البيانات بصورة إيجابية، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، بالتزامن مع مواصلة العقود المستقبلية لمؤشر «إس آند بي 500» مكاسبها عقب صدور التقرير، وسط تقييم المستثمرين لتأثير قوة سوق العمل على توجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
الإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الشركات يدعمان التوظيف
ويعكس استمرار نمو الوظائف قوة الطلب داخل الاقتصاد الأميركي، إذ أسهم صمود الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب استمرار استثمارات الشركات، في دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز أرباح المؤسسات خلال العام الجاري، الأمر الذي شجع أصحاب الأعمال على توسيع عمليات التوظيف وإضافة مزيد من العاملين إلى قوائم موظفيهم.
ورغم التباين الذي شهدته وتيرة خلق الوظائف بين شهر وآخر، فإن مستويات التوظيف ظلت قوية بما يكفي للحفاظ على معدل البطالة عند مستويات منخفضة نسبياً، في إشارة إلى أن سوق العمل لم تدخل بعد مرحلة التباطؤ الحاد التي يخشى منها المستثمرون وصناع السياسة النقدية.
الرعاية الصحية تقود مكاسب الوظائف
وعلى مستوى القطاعات، تصدر قطاع الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية قائمة القطاعات الأكثر مساهمة في نمو التوظيف خلال أكتوبر، بعدما أضاف نحو 55 ألف عامل، مسجلاً أكبر زيادة شهرية له خلال ستة أشهر.
ويواصل هذا القطاع أداء دور محوري في دعم سوق العمل الأميركية، بعدما شكل أحد أبرز محركات نمو الوظائف خلال السنوات الأخيرة، في ظل استمرار الطلب على الخدمات الصحية والاجتماعية واتساع احتياجات المؤسسات العاملة في هذا المجال.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة بالنظر إلى مساهمة القطاع في تعويض التفاوت في التوظيف داخل بعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى، بما يدعم استقرار إجمالي الوظائف الجديدة.
تباطؤ نمو الأجور يحد من الضغوط التضخمية
وفي مؤشر آخر قد يحظى باهتمام الاحتياطي الفيدرالي، أظهرت بيانات الأجور أن سوق العمل لا تولّد ضغوطاً إضافية كبيرة على مستويات الأسعار، رغم استمرار التوظيف بوتيرة قوية.
وارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.4% خلال أكتوبر مقارنة بالشهر السابق، فيما سجل زيادة سنوية بلغت 3.1%، وهي أبطأ وتيرة نمو سنوية منذ عام 2021.
ويعكس تباطؤ نمو الأجور تراجعاً نسبياً في الضغوط المرتبطة بتكاليف العمالة، وهو تطور قد يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر لتقييم مسار التضخم دون الحاجة إلى تشديد إضافي سريع للسياسة النقدية.
ومع ذلك، فإن استمرار نمو الوظائف وتراجع البطالة قد يعززان وجهة النظر القائلة إن الاقتصاد الأميركي لا يزال يحتفظ بزخم قوي، وهو ما يجعل قرارات أسعار الفائدة المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات التضخم والإنفاق والطلب على العمالة.
الاحتياطي الفيدرالي يترقب بيانات التضخم والوظائف قبل اجتماع ديسمبر
وتأتي بيانات أكتوبر في توقيت مهم بالنسبة إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يستعد لتقييم مجموعة جديدة من المؤشرات الاقتصادية قبل اجتماعه المرتقب في ديسمبر، بما يشمل تقرير الوظائف المقبل والبيانات الكاملة المتعلقة بالتضخم.
ويترقب المستثمرون توجهات البنك المركزي الأميركي بشأن أسعار الفائدة، وسط توقعات برفعها خلال اجتماع ديسمبر، بعد الزيادة التي أُقرت في سبتمبر، وقرار الإبقاء عليها دون تغيير خلال أكتوبر.
وتمنح بيانات سوق العمل الأخيرة مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي مؤشراً على استمرار متانة الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه تضع أمامهم تحدياً يتمثل في الموازنة بين الحفاظ على استقرار الأسعار وتجنب اتخاذ إجراءات نقدية قد تؤثر سلباً على التوظيف والنشاط الاقتصادي.
وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش قد وصف أوضاع التوظيف الأسبوع الماضي بأنها «إيجابية للغاية»، في إشارة إلى أن أداء سوق العمل يمنح البنك المركزي فرصة أكبر للتركيز على مواجهة التضخم باعتباره أحد أبرز التحديات الاقتصادية القائمة.
الأجور والتضخم في صدارة التحديات الاقتصادية
وعلى الرغم من إيجابية مؤشرات التوظيف، لا تزال مستويات الأجور تمثل أحد الملفات الاقتصادية المهمة، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط المعيشية وتأثير التضخم على القدرة الشرائية للأسر الأميركية.
وتسلط الزيادة السنوية في متوسط الأجر بالساعة، البالغة 3.1%، الضوء على الفجوة بين نمو الدخول وتكاليف المعيشة، إذ لم تتمكن الأجور من مواكبة التضخم خلال معظم عام 2026، وهو ما ساهم في استمرار استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية.
وبرزت هذه القضية ضمن أبرز مصادر الاستياء خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي جرت هذا الأسبوع، في وقت لم يعد فيه انخفاض معدل البطالة وحده كافياً لعكس تحسن ملموس في الأوضاع المعيشية للأسر.
وبذلك، ترسم بيانات أكتوبر صورة مزدوجة للاقتصاد الأميركي؛ فمن جهة، يواصل سوق العمل إضافة وظائف جديدة ويحافظ على معدل بطالة منخفض، ومن جهة أخرى، لا تزال تحديات التضخم والقوة الشرائية ونمو الأجور تفرض نفسها على المشهد الاقتصادي.
ومن المنتظر أن تحدد البيانات المقبلة، خصوصاً مؤشرات التضخم والتوظيف، مدى قدرة الاحتياطي الفيدرالي على المضي في تشديد السياسة النقدية خلال ديسمبر، دون الإضرار بالزخم الذي لا يزال يدعم الاقتصاد الأميركي.






