وكالات - تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الجمعة، مع امتداد موجة الهبوط الحادة في أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية إلى الأسواق الآسيوية، ما دفع بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم في المعدن النفيس لتوفير السيولة وتغطية الخسائر التي تكبدوها في أسواق الأسهم.
وانخفض سعر الذهب بما يصل إلى 1.3%، مقترباً من مستوى 4035 دولاراً للأونصة، قبل أن يقلص جانباً من خسائره، لكنه ظل متجهاً نحو تحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 4%، في ظل استمرار العوامل الداعمة للمعدن النفيس خلال الأيام الماضية.
وجاءت التراجعات بعدما امتدت موجة البيع التي ضربت أسهم التكنولوجيا الأميركية يوم الخميس إلى الأسواق الآسيوية في اليوم التالي، وسط مخاوف من تداعيات التحولات السياسية في الولايات المتحدة على مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعد فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونغرس.
وتزايدت المخاوف بشأن احتمال تشديد القيود التنظيمية على شركات الذكاء الاصطناعي ومشروعات مراكز البيانات، في ظل معارضة شريحة من الناخبين للتوسع في إنشاء هذه المراكز، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للقطاع.
تسييل مراكز الذهب لتغطية خسائر الأسهم
ساهمت موجة الهبوط في أسواق الأسهم في زيادة الضغوط على الذهب، رغم مكانته التقليدية باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الاضطرابات المالية.
وقال أولي هانسن، استراتيجي السلع الأولية لدى «ساكسو بنك»، إن التراجعات الأخيرة في أسعار الذهب، خلال الجلسة السابقة والتعاملات الآسيوية، تعكس موجة واسعة من العزوف عن المخاطرة وجني الأرباح.
وأوضح أن مستشاري تداول السلع الأولية وصناديق التحوط استكملوا جولة أولى من تغطية مراكز البيع المكثفة، وهو ما ساهم في تغيير اتجاهات التداول وزيادة التقلبات في سوق المعدن النفيس.
وأضاف أن عودة أسعار النفط إلى الارتفاع زادت الضغوط على الذهب، بعدما كان انخفاض الخام في وقت سابق أحد العوامل التي ساعدت على تحفيز موجة الصعود الأخيرة للمعدن الأصفر، الأمر الذي دفع الأسعار إلى التحرك ضمن نطاق أكثر ضيقاً.
ويشير هذا الأداء إلى أن الذهب لم يعد يتحرك بمعزل عن بقية الأسواق، إذ قد تدفع الخسائر الحادة في الأسهم بعض المستثمرين إلى بيع الأصول الرابحة، بما فيها المعادن النفيسة، لتوفير السيولة أو تغطية الالتزامات المالية في محافظهم الاستثمارية.
سندات الخزانة الأميركية تجذب المستثمرين
في المقابل، عززت اضطرابات أسواق الأسهم الطلب على سندات الخزانة الأميركية، باعتبارها من أبرز الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون خلال فترات عدم اليقين.
وأدى ارتفاع الطلب على السندات إلى تراجع عوائدها إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل سبتمبر، في إشارة إلى اتجاه جزء من رؤوس الأموال نحو أدوات الدخل الثابت بحثاً عن قدر أكبر من الاستقرار.
وجاء ذلك بالتزامن مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، رغم أنها لا تزال متجهة لتسجيل خسارة أسبوعية تقارب 15%، ما يعكس استمرار التقلبات الحادة في أسواق الأصول العالمية نتيجة التغيرات السياسية وتطورات الحرب في الشرق الأوسط.
نتائج الانتخابات الأميركية تدعم توقعات صعود الذهب
كان الذهب قد سجل قفزة تجاوزت 3% خلال جلسة الأربعاء، عقب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، بعدما راهن المستثمرون على أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس قد تدفع نحو تسريع إنهاء حرب إيران، التي ساهمت في رفع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية.
كما عززت نتائج الانتخابات توقعات بأن يؤدي انقسام السلطة في الولايات المتحدة إلى الحد من قدرة الرئيس دونالد ترمب على تنفيذ أجندته المالية، خصوصاً فيما يتعلق بزيادة الإنفاق الحكومي والاقتراض.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية بالنسبة للذهب، إذ إن تراجع الضغوط التضخمية وتقليص الاقتراض الحكومي قد يمنحان الاحتياطي الفيدرالي مجالاً أكبر لتيسير السياسة النقدية وخفض أسعار الفائدة.
ويستفيد الذهب عادة من انخفاض أسعار الفائدة، نظراً إلى أنه أصل لا يدر عائداً دورياً، وبالتالي تصبح تكلفة الاحتفاظ به أقل جاذبية مقارنة بالأصول التي تقدم عوائد ثابتة عندما تتراجع الفائدة.
لكن استمرار هذا الدعم يظل مرتبطاً بمدى تحقق التوقعات المتعلقة بالسياسة المالية والنقدية الأميركية، إلى جانب مسار أسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية.
حرب إيران وأسواق الأسهم تحددان اتجاه الذهب
يرى أولي هانسن أن أداء سوق الأسهم الأميركية والتطورات المرتبطة بالتحركات المقبلة للرئيس دونالد ترمب تجاه إيران يمثلان أبرز العوامل التي ينبغي على المستثمرين مراقبتها خلال الأجل القصير.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل ارتباط أسعار الذهب بتوقعات التضخم وأسعار الفائدة، فضلاً عن دوره كأداة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية.
فأي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يعزز الطلب على المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً، بينما قد يؤدي التوصل إلى تسوية سياسية دائمة وانحسار المخاطر إلى تقليص بعض الطلب الاستثماري عليه.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التراجع في أسهم التكنولوجيا قد يفرض ضغوطاً إضافية على الذهب، إذا اضطر المستثمرون إلى بيع الأصول السائلة لتغطية خسائرهم في الأسواق الأخرى.
بيانات الوظائف والتضخم تحدد توقعات الفائدة الأميركية
تتجه أنظار المتعاملين في سوق الذهب إلى البيانات الاقتصادية الأميركية المرتقبة، وفي مقدمتها تقرير الوظائف المقرر صدوره يوم الجمعة، وبيانات مؤشر أسعار المستهلكين المنتظر إعلانها خلال الأسبوع التالي.
وتوفر هذه البيانات مؤشرات مهمة بشأن قوة سوق العمل ومسار التضخم، كما تساعد المستثمرين على تقييم توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعاته المقبلة.
وتأتي هذه الترقبات بعدما أظهرت البيانات انخفاض طلبات إعانة البطالة الأسبوعية إلى مستويات دون جميع التقديرات، وهو ما أضاف عنصراً جديداً إلى تقييم أداء سوق العمل الأميركية واحتمالات استمرار الضغوط على الأجور والأسعار.
وقد يؤدي ظهور مؤشرات على تباطؤ سوق العمل وانحسار التضخم إلى تعزيز توقعات خفض أسعار الفائدة، وهو ما قد يوفر دعماً إضافياً للذهب، بينما قد تؤدي البيانات القوية إلى تقليص رهانات التيسير النقدي والضغط على المعدن النفيس.
أداء الذهب والفضة والمعادن النفيسة
على صعيد التداولات، تراجع سعر الذهب الفوري بنسبة 1% إلى 4046.86 دولار للأونصة عند الساعة 2:47 بعد الظهر بتوقيت سنغافورة.
كما انخفض سعر الفضة بنسبة 0.4% إلى 51.57 دولار للأونصة، في حين سجل البلاتين والبلاديوم تراجعات خلال التعاملات.
وفي المقابل، ارتفع مؤشر «بلومبرغ» للدولار الفوري، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.2%، ما أضاف عاملاً ضاغطاً على أسعار المعادن المقومة بالدولار.
وتعكس تحركات المعادن النفيسة حالة التباين في توجهات المستثمرين، مع استمرار البحث عن الملاذات الآمنة من جهة، وعمليات جني الأرباح وتوفير السيولة من جهة أخرى.
وبين الضغوط الناتجة عن موجة بيع أسهم التكنولوجيا والعوامل الداعمة المرتبطة بتوقعات أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية، يظل مسار الذهب خلال الفترة المقبلة مرهوناً بتطورات الأسواق الأميركية ونتائج البيانات الاقتصادية، فضلاً عن اتجاهات أسعار النفط ومستقبل الحرب في الشرق الأوسط.







