وكالات - تفاقمت خسائر أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات في الأسواق الأميركية، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على القطاع وسط تصاعد المخاوف من أن يؤدي التحول في موازين القوى السياسية داخل الكونغرس الأميركي إلى تشديد القيود التنظيمية على صناعة الذكاء الاصطناعي، بما يهدد خطط التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها.
وجاءت موجة البيع عقب فوز الديمقراطيين بالانتخابات وسيطرتهم على مجلسي الكونغرس، ما أثار تكهنات بشأن توجه الإدارة والسلطة التشريعية نحو فرض ضوابط أكثر صرامة على شركات الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس سريعاً على معنويات المستثمرين وتوقعاتهم بشأن نمو أرباح شركات التكنولوجيا خلال الفترة المقبلة.
وسجل مؤشر «إس آند بي 500» تراجعاً بنسبة 4.4%، في أسوأ أداء يومي له منذ أبريل 2025، بينما هبط مؤشر «ناسداك 100» بنسبة 6.4%، لتفقد أسهم السوق الأميركية نحو 2.3 تريليون دولار من قيمتها السوقية.
وكان قطاع أشباه الموصلات من بين الأكثر تضرراً، بعدما هوى مؤشر رئيسي يضم كبرى شركات صناعة الرقائق بنسبة 12%، في ظل الضغوط التي تعرضت لها أسهم الشركات المرتبطة بتطوير وتصنيع المعالجات المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وامتدت الخسائر إلى أسهم «كوالكوم» و«آرم هولدينغز»، بعدما جاءت التوقعات المرتبطة بأدائهما دون تطلعات المستثمرين، فيما تراجعت أسهم «تسلا» و«سبيس إكس» بنسبة لا تقل عن 9%.
مخاوف سياسية تهدد طفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي
تتركز مخاوف المستثمرين على التداعيات المحتملة للتحول السياسي في الولايات المتحدة على الإنفاق الضخم الموجه إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خصوصاً مشروعات مراكز البيانات التي شكلت أحد أبرز محركات النمو في قطاع التكنولوجيا خلال الفترة الماضية.
ويرى المستثمرون أن تشديد القيود التنظيمية أو تعقيد الموافقات على مشروعات البنية التحتية قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة الاستثمارات، وهو ما قد ينعكس على توقعات الإيرادات والأرباح لدى شركات الرقائق والحوسبة السحابية والتكنولوجيا الكبرى.
وقال مايكل أورورك من شركة «جونز تريدينغ» إن التغيرات السياسية قد تؤدي إلى تباطؤ حقيقي في بناء مراكز البيانات، مشيراً إلى أن تقديرات الأرباح التي استندت إليها التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا لم تعد بالضرورة صالحة في ظل التطورات الجديدة.
وأضاف أن المستثمرين لا يملكون في الوقت الحالي رؤية واضحة بشأن حجم التعديلات التي قد تطرأ على توقعات الأرباح، الأمر الذي يدفعهم إلى تقليص المخاطر الاستثمارية لحين اتضاح الصورة، وهي عملية قد تستغرق وقتاً.
وتزامنت هذه المخاوف مع تحول ملحوظ في توجهات المستثمرين نحو القطاعات الدفاعية، ما ساهم في توسيع نطاق موجة الهبوط ورفع مؤشر التقلبات إلى أكبر مستوى له منذ نحو عامين.
خسائر وول ستريت تمحو مكاسب التفاؤل السياسي
جاءت موجة البيع لتبدد المكاسب التي حققتها الأسهم الأميركية في جلسة الأربعاء، عندما دفعت سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس أسعار النفط إلى التراجع الحاد، وسط رهانات على أن نتائج الانتخابات قد تسرّع التوصل إلى نهاية لحرب إيران.
لكن التفاؤل الذي ساد الأسواق بشأن التداعيات السياسية والاقتصادية للانتخابات لم يستمر طويلاً، مع انتقال اهتمام المستثمرين إلى المخاطر المحتملة التي قد تواجه قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أهم محركات تقييمات الأسهم الأميركية.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه «بتكوين»، اتجه المستثمرون إلى الأصول الأكثر أماناً، ما دفع أسعار السندات إلى الارتفاع، رغم صعود أسعار النفط.
كما انعكس تراجع الثقة في استمرار التوسع بالاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على توقعات السياسة النقدية، إذ أعاد المستثمرون تقييم رهاناتهم بشأن مسار أسعار الفائدة التي يحددها الاحتياطي الفيدرالي.
وفي إشارة إلى تصاعد الحذر داخل السوق، قال المستثمر مايكل بيري، المعروف بمراهنته السابقة على انهيار سوق الإسكان الأميركية، إنه خفّض 25% من مراكزه في خيارات البيع المرتبطة بصندوق «فان إيك لأشباه الموصلات»، الذي تبلغ قيمته 59 مليار دولار.
وأوضح بيري أن هذه المراكز لا تزال كبيرة للغاية حتى بعد تقليصها، في إشارة إلى استمرار رهاناته على تعرض أسهم شركات أشباه الموصلات لمزيد من الضغوط.
إصدارات سندات التكنولوجيا تكشف استمرار احتياجات التمويل
في الوقت نفسه، أظهرت سوق الديون استمرار قدرة الشركات التكنولوجية الكبرى على جذب التمويل، إذ شهد إصدار سندات شركة «أبل» بقيمة 7.5 مليار دولار طلباً قوياً من المستثمرين.
ويأتي الإصدار ضمن موجة أوسع من إصدارات السندات التي تلجأ إليها شركات التكنولوجيا لتوفير التمويل اللازم لعملياتها واستثماراتها، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن العوائد المستقبلية للإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.
ويعكس الإقبال على سندات «أبل» استمرار ثقة المستثمرين في قدرة الشركات الكبرى ذات المراكز المالية القوية على الوصول إلى أسواق الدين، رغم التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم القطاع.
تركّز مؤشر «إس آند بي 500» يزيد حدة التراجعات
ويرى محللون أن موجة الهبوط الأخيرة تكشف المخاطر المرتبطة بالاعتماد الكبير لمؤشر «إس آند بي 500» على عدد محدود من شركات التكنولوجيا العملاقة، بعدما أصبحت هذه الشركات تمثل وزناً مؤثراً في حركة المؤشر وأدائه العام.
وقال ديفيد بانسن من «ذا بانسن غروب» إن ما شهدته الأسواق يعكس خطورة تحول التفاؤل المفرط والضجة الإعلامية إلى محركات رئيسية لارتفاع الأسهم، بدلاً من الاعتماد على العوامل الأساسية المرتبطة بأداء الشركات وقدرتها على تحقيق الأرباح.
وأضاف أن التراجعات تمثل تذكيراً بمدى التركّز المرتفع لأسهم التكنولوجيا داخل مؤشر «إس آند بي 500»، وهو ما يجعل المؤشر أكثر عرضة للتقلبات عندما تتغير توقعات المستثمرين تجاه القطاع.
من جانبه، أشار ياكوب روخليتس من منصة «إي تورو» إلى أن ما يميز موجة البيع الحالية هو غياب التعافي الواضح حتى بعد تسجيل خسائر كبيرة في بعض الأسهم، مستشهداً باستمرار الضغوط على سهم «إنتل» خلال الأسبوع، رغم هبوطه بنحو 30% يوم الجمعة.
ولفت إلى تزايد الارتباط بين تحركات القطاعات المختلفة وارتفاع مستويات التقلبات، بما يشير إلى أن موجة الهبوط لم تعد مقتصرة على أسهم التكنولوجيا، بل بدأت تمتد إلى نطاق أوسع من السوق.
مستقبل مراكز البيانات بين المخاوف السياسية والجدوى الاقتصادية
رغم الضغوط التي تتعرض لها أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لا يرى جميع المحللين أن التراجع السياسي المحتمل في دعم القطاع سيؤدي بالضرورة إلى توقف مشروعات مراكز البيانات.
وقال كريس زاكاريلي من شركة «نورثلايت أسيت مانجمنت» إن رد فعل المستثمرين الذي يقوم على عقلية «كل شيء أو لا شيء» لا يعكس بالضرورة التعقيدات الفعلية للمشهد الاقتصادي.
وأضاف أن تغير المعنويات قد يجعل إنشاء مراكز البيانات أكثر صعوبة، لكنه أشار إلى أن المشروعات التي تستند إلى مبررات تجارية واقتصادية قوية ستظل قادرة على جذب الاستثمارات والمضي قدماً.
ويعكس هذا التباين في وجهات النظر حالة عدم اليقين التي تسيطر على القطاع، إذ يتوقف مستقبل الاستثمارات ليس فقط على التوجهات السياسية والتنظيمية، وإنما أيضاً على قدرة الشركات على إثبات الجدوى الاقتصادية للإنفاق المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
تباطؤ استثمارات الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات بشأن أسعار الفائدة
امتدت تداعيات تراجع التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي إلى توقعات أسعار الفائدة الأميركية، في ظل المخاوف من انعكاس أي تباطؤ في الاستثمارات على معدلات النمو الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.
وقال ويل كومبرنول من «إف إتش إن فايننشال» إن تأثير تراجع استثمارات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل قد يكون محدوداً في البداية، نظراً إلى أن الطفرة الاستثمارية في هذا المجال اعتمدت بدرجة كبيرة على كثافة رأس المال، ولم تؤد إلى خلق أعداد كبيرة من الوظائف مقارنة بحجم الإنفاق.
وأضاف أن أي انخفاض في الاستثمارات قد لا يترجم بالضرورة إلى خسائر كبيرة في الوظائف، لكن المخاطر قد تتسع إذا امتدت تداعيات التراجع إلى الاقتصاد الأوسع عبر قنوات العدوى المالية.
وأشار إلى أن ظهور مثل هذه التداعيات لن يكون فورياً، ما يجعل تقييم تأثير التطورات الحالية على الاقتصاد وسوق العمل والسياسة النقدية أمراً يحتاج إلى مزيد من الوقت.
وبذلك، تواجه أسهم التكنولوجيا الأميركية مرحلة من إعادة تقييم التوقعات، مع تداخل العوامل السياسية والتنظيمية والاقتصادية في تحديد مستقبل طفرة الذكاء الاصطناعي، وسط ترقب المستثمرين لما إذا كانت موجة البيع الحالية تمثل تصحيحاً مؤقتاً للتقييمات المرتفعة أم بداية تحول أوسع في مسار استثمارات القطاع.







