عزات جمال - مصدر الإخبارية
بتقديري لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل يتجه العالم نحو مزيد من الحروب؟ فالمؤشرات المتراكمة في أكثر من منطقة توحي بأن العالم يعيش مرحلة متقدمة من التوتر والشحن المتزايد، حيث تتزايد الاستعدادات العسكرية، وتتسع معها دوائر الاستقطاب، فيما تتراجع مساحة الحوار والتفاوض لصالح لغة التهديد واستعراض القوة، التي باتت هي عنوان المرحلة.
ما يجري من أحداث مقرونة بالتصريحات لا يمكن قراءتها بوصفها مجموعة من الأحداث المنفصلة أو التوترات العابرة أو التحريض الإعلامي، بل تبدو أقرب إلى مشهد دولي تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية مع الحسابات الأمنية والاقتصادية، حيث تتنافس فيه القوى الكبرى والإقليمية على إعادة رسم موازين النفوذ، دون أن تكون هناك ضمانات حقيقية تحول دون انزلاق هذه التنافسات إلى مواجهات دامية ومفتوحة.
ولعل ما يلفت الانتباه أن الاستعدادات لم تعد تقتصر على التصريحات السياسية أو المناورات العسكرية، بل تترافق مع تحركات ميدانية للقوات العسكرية لربما لم يشهد التاريخ مثيل لها إلا في مراحل أوج الحروب والصراعات، إضافة لعمليات تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، وإعادة ترتيب التحالفات، ورفع مستويات الجاهزية في أكثر من دولة، وسط مخاطبة الجمهور بالاستعداد لوضع الطوارئ. وهي مؤشرات تعكس أن عدداً من الدول بات يتعامل مع احتمالات المواجهة باعتبارها سيناريو يستوجب الاستعداد، لا مجرد احتمال بعيد.
في هذه الأيام تبدو الماكنة الدبلوماسية أمام اختبار بالغ الصعوبة. فحين تتقدم الحسابات العسكرية على مسارات التفاوض، وتصبح لغة الردع والتهديد هي الأكثر حضوراً في الخطاب السياسي، تتقلص فرص الوصول إلى تفاهمات تمنع التصعيد. والأخطر أن استمرار هذا النهج قد يجعل القرارات العسكرية أسيرة حسابات ضيقة، بحيث يصبح التراجع لدى بعض الأطراف مكلفاً سياسياً، حتى وإن كان استمرار المواجهة أكثر كلفة على الجميع، وبذلك قد تنزلق الأمور لغير رجعة.
لذلك، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد متعلقاً بإمكانية اندلاع حروب جديدة، بل بتوقيت حدوثها، والساحات الأكثر عرضة لها، وطبيعة الأطراف التي قد تجد نفسها في قلب المواجهة. فهناك بؤر توتر قائمة عبر العالم تمتلك بالفعل مقومات الانفجار، وأخرى قد تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة على النفوذ والثروات، الأمر الذي يجعل احتمالات التصعيد مترابطة، حتى وإن اختلفت دوافعها وأطرافها.
أما عن التداعيات، فلن تتوقف عند حدود الجغرافيا التي قد تشهد المواجهات. إذ إن أي تصعيد واسع ستكون له انعكاسات تتجاوز البعد العسكري، لتطال أسواق الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد، وتزيد من الضغوط الاقتصادية على الدول والمجتمعات، خصوصاً تلك التي تعاني أصلاً من أزمات مالية ومعيشية. كما أن اتساع رقعة الصراعات قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من النزوح وعدم الاستقرار، ويضع المؤسسات الدولية أمام اختبار إضافي لقدرتها على الإغاثة والايواء والاستجابة الطارئة.
وفي هذا السياق، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة: أولها استمرار حالة الاستنفار والردع المتبادل دون الوصول إلى مواجهة شاملة، مع بقاء احتمالات الاشتباك المحدود قائمة. وثانيها اندلاع مواجهات إقليمية تتسع تدريجياً بفعل تداخل المصالح والتحالفات، وصعوبة احتواء ردود الفعل المتبادلة. أما المسار الثالث، فيتمثل في نجاح بعض القوى في إعادة فتح قنوات التفاوض، والوصول إلى تفاهمات مؤقتة تعيد ضبط التوترات وتمنع انتقالها إلى حرب واسعة، وإن لم تعالج جذور الخلافات.
وبين هذه المسارات، تبقى قدرة الأطراف الدولية على إدارة التناقضات وضبط حسابات القوة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأحداث. فالحروب لا تبدأ دائماً بقرار معلن، بل قد تتدحرج نتيجة سوء التقدير، أو تضارب الحسابات، أو حادث ميداني يتجاوز قدرة الأطراف على احتوائه، فتندلع الكارثة!
إن العالم يقف أمام مرحلة لا تحتمل مزيداً من المغامرات العسكرية والحروب، ولا سيما أن تجارب الحروب السابقة أثبتت أن كلفة المواجهات لا تتحملها الأطراف التي تتخذ قراراتها فحسب، بل تمتد آثارها إلى شعوب ومجتمعات لا تملك في كثير من الأحيان القدرة على التأثير في مساراتها، فتكتوي بآثار قرارات لم تتخذها.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل مراكز القرار وصناع السياسات لم يعد: هل يذهب العالم نحو مزيد من الحروب؟ بل: إلى متى يمكن احتواء هذا التصعيد؟ وأين يمكن أن تقع المواجهة التالية؟ ومن سيدفع ثمنها؟
أسئلة ملحة تُطرح في ما يشبه الوقت الضائع، بينما تتسارع الاستعدادات وتتراجع فرص التسوية. وفي انتظار الإجابات، يبقى أخطر ما يمكن أن يواجه العالم هو أن تتحول الحروب من خيار تستبعده السياسة إلى واقع تفرضه حسابات القوة والنفوذ.




