تل أبيب - يدرس المعسكر المناوئ لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بقيادة غادي آيزنكوت، ترشيح يائير لبيد لرئاسة الكنيست، في خطوة تهدف إلى استثمار موازين القوى البرلمانية الجديدة وتعزيز قدرة المعارضة على مواجهة الحكومة، حتى في حال تعذر تشكيل ائتلاف بديل. وفي المقابل، يسعى الليكود إلى إحباط هذه التحركات عبر الضغط السياسي على قادة المعارضة والتحذير من أي تعاون مع الأحزاب العربية، بالتزامن مع استمرار فرز الأصوات وانتظار النتائج النهائية للانتخابات.
وأفادت هيئة البث العام الإسرائيلية «كان 11»، مساء الأربعاء، بأن معسكر آيزنكوت يبحث إمكانية انتخاب لبيد رئيسًا للكنيست خلفًا لأمير أوحانا، في تصويت متوقع بعد نحو أسبوعين. وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعٍ لاستغلال التوازنات الجديدة داخل البرلمان، بما يتيح للمعارضة التأثير في إدارة العمل التشريعي ودفع مبادرات وقوانين تعارضها الحكومة الحالية.
ويشغل لبيد الموقع الثاني في قائمة «بياحد» برئاسة نفتالي بينيت، ولا ينافس على رئاسة الحكومة، فيما تربطه علاقات جيدة بمعظم قادة المعسكر المناوئ لنتنياهو، ما يجعله أحد الأسماء المطروحة لتولي المنصب.
وبحسب التقرير، لم يتخذ المعسكر قرارًا نهائيًا بشأن مرشحه لرئاسة الكنيست، إذ تشمل الخيارات أيضًا عوديد فورير من حزب «يسرائيل بيتينو»، وإلعازار شتيرن وأوريت فركاش من حزب «يشار»، وإفرات رايتن من حزب «الديمقراطيين».
وتقدّر أوساط في المعسكر أن مطالب الأحزاب العربية مقابل دعم تغيير رئيس الكنيست قد تقتصر على مواقف وتصريحات سياسية، الأمر الذي قد يسهّل التوصل إلى تفاهمات تتيح تمرير الخطوة خلال الفترة المقبلة.
رئاسة الكنيست بوابة لتغيير موازين القوى
لا تقتصر أهمية التحرك على استبدال رئيس الكنيست، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة استثمار النفوذ البرلماني للمعارضة في دفع ملفات سياسية وتشريعية، حتى في حال عدم نجاحها في تشكيل حكومة جديدة.
وبحسب التوجهات التي يجري بحثها، قد يسعى المعسكر إلى الدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب العمل على إلغاء تشريعات مرتبطة بخطة حكومة نتنياهو لإضعاف الجهاز القضائي.
وتستند هذه المقاربة إلى إمكانية توظيف موازين القوى داخل الكنيست للتأثير في جدول الأعمال البرلماني واللجان والتشريعات، بما يتيح للمعارضة ممارسة ضغوط على الحكومة من داخل المؤسسة التشريعية، من دون أن يكون ذلك مرهونًا بالضرورة بتشكيل حكومة بديلة.
غير أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطًا بنتائج الفرز النهائية، وبقدرة أحزاب المعارضة على تنسيق مواقفها والحصول على الأصوات اللازمة، بما في ذلك أصوات الأحزاب العربية، في ظل الخلافات السياسية المحيطة بهذا التعاون.
نتنياهو يتحرك لمنع المعارضة من السيطرة على الكنيست
في المقابل، بدأ نتنياهو، بحسب ما نقلته صحيفة «هآرتس» عن مصادر في الليكود، حملة سياسية تستهدف قادة معسكر آيزنكوت، يُتوقع أن تستمر أسابيع، بهدف إحباط محاولات المعارضة لتشكيل حكومة بدعم عربي أو السيطرة على رئاسة الكنيست وتغيير قيادته.
ووفق المصادر، يسعى الليكود إلى ربط تحركات المعارضة بالتعاون مع الأحزاب العربية، بهدف إحراج قادتها سياسيًا وتقليص فرص التوصل إلى تفاهمات برلمانية معها. وتأتي هذه الحملة في أعقاب النتائج المرحلية التي أظهرت حصول القائمتين العربيتين على 19 مقعدًا، ما يمنحهما وزنًا مؤثرًا في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة والتصويت داخل الكنيست.
وكان الليكود قد اتهم الأحزاب العربية، في بيان، بـ«سرقة الانتخابات»، زاعمًا أنها تدعم الإرهاب، من دون تقديم أدلة تتيح التحقق من هذه الادعاءات.
وبحسب المصادر التي تحدثت إلى «هآرتس»، يندرج البيان ضمن مساعٍ سياسية مبكرة لإثارة الشبهات حول الأحزاب العربية، في ظل مخاوف داخل الليكود من أن يؤدي تعاونها مع المعارضة إلى تغيير موازين القوى البرلمانية والإضرار بفرص نتنياهو في تشكيل الحكومة المقبلة.
كما وجّه الليكود وحزب «الصهيونية الدينية» رسالة إلى ناشطين دعوا فيها إلى تقديم شهادات بشأن مزاعم دفع رشى للتأثير في التصويت داخل المجتمع العربي، وأرفقا الرسالة برقم هاتف لتلقي البلاغات.
وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن الليكود كان قد بدأ قبل الانتخابات استعدادات لمراقبة عمليات الاقتراع في البلدات العربية، ضمن مساعٍ لجمع معلومات يمكن استخدامها لإثارة شبهات بشأن نزاهة التصويت. لكن هذه التحركات والاتهامات لا تثبت، بحد ذاتها، وقوع تزوير انتخابي.
مخاوف من تحالف برلماني يعرقل نتنياهو
تخشى أوساط في الليكود، بحسب «هآرتس»، أن تتمكن المعارضة من استخدام قوتها البرلمانية لعرقلة خطوات نتنياهو، حتى إذا لم تنجح في تشكيل حكومة بديلة.
وقد تزداد هذه المخاوف إذا كلّف الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ آيزنكوت بتشكيل الحكومة، في ظل التوقعات بأن يحصل على توصيات من عدد أكبر من أعضاء الكنيست. ومن شأن ذلك أن يعزز موقع معسكره في المفاوضات المتعلقة بإدارة البرلمان وترتيب أولوياته التشريعية.
وتراهن المعارضة، وفق هذا السيناريو، على إمكانية التوصل إلى تفاهمات تسمح لها بالسيطرة على رئاسة الكنيست واللجان البرلمانية، والعمل على دفع تشريعات لا تتوافق مع توجهات الحكومة الحالية، حتى في حال استمرار نتنياهو في منصبه أو نجاحه في تشكيل ائتلاف جديد.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيقًا بين أحزاب المعسكر، فضلًا عن تأمين الأغلبية اللازمة لكل خطوة، وهو ما يجعل مواقف الأحزاب العربية عاملًا مؤثرًا في تحديد فرص نجاح التحرك.
معسكر آيزنكوت ينتظر استكمال فرز الأصوات
في المقابل، لم يحسم قادة المعسكر المناوئ لنتنياهو خطواتهم المقبلة، في ظل استمرار فرز الأصوات، ولا سيما المغلفات المزدوجة التي قد تؤثر في التوزيع النهائي للمقاعد.
ونقلت «هآرتس» عن مسؤولين بارزين في المعسكر قولهم إنهم لا يملكون صورة نهائية واضحة عن موازين القوى، مشيرين إلى أن قادة المعسكر الأربعة، غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان، يواصلون التواصل والتشاور، لكنهم يفضلون تأجيل القرارات الحاسمة إلى حين اتضاح النتائج النهائية.
وأظهرت النتائج المرحلية، بعد فرز 89.8% من الأصوات، حصول الليكود على 26 مقعدًا، وحزب «يشار» على 21 مقعدًا، فيما حصل كل من قائمة «بياحد» والقائمة المشتركة على 12 مقعدًا. وبلغ مجموع مقاعد معسكر نتنياهو 53، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت، فيما وصل مجموع مقاعد القائمتين العربيتين إلى 19.
وتعكس هذه الأرقام استمرار حالة الانسداد السياسي، إذ لا يمتلك أي من المعسكرين أغلبية برلمانية مستقلة تتيح له تشكيل حكومة من دون دعم قوى إضافية.
بين تشكيل الحكومة والسيطرة على البرلمان
وعقد أعضاء حزب «يشار» اجتماعًا لبحث المرحلة المقبلة، بعد إخفاق الحزب في تحقيق هدفه بأن يصبح الأكبر في الكنيست. وأكد آيزنكوت، في منشور عبر منصة «إكس»، أن حزبه يركز على إحداث تغيير سياسي وتشكيل حكومة صهيونية تفرض التجنيد، معتبرًا أن نتائج الانتخابات تعكس سحب الثقة من حكومة نتنياهو.
ورغم خيبة الأمل من النتائج المرحلية، تؤكد أوساط في الحزب تمسكها بالعمل لمنع نتنياهو من تشكيل الحكومة المقبلة. وفي هذا السياق، تبرز السيطرة على رئاسة الكنيست بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتغيير موازين القوى وممارسة الضغط على الحكومة، بالتوازي مع المفاوضات المتعلقة بتشكيل الائتلاف.
ولا تزال السيناريوهات مفتوحة أمام المعسكرين، بين تشكيل حكومة بديلة، أو التوصل إلى حكومة وحدة، أو اللجوء إلى انتخابات جديدة إذا فشلت المسارات القانونية لتشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست.
وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو المعركة محصورة في هوية رئيس الحكومة المقبل، بل تمتد إلى السيطرة على المؤسسات البرلمانية والقدرة على توجيه التشريع، فيما يشكل موقف الأحزاب العربية أحد العوامل الأساسية التي قد تحدد اتجاه المرحلة السياسية المقبلة.







