تل أبيب - شنّ نفتالي بينيت، رئيس حزب «معاً»، هجوماً حاداً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية ما نشرته القناة 12 الإسرائيلية بشأن قضية قطر، متهماً إياه بالتهرب من المسؤولية عن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وبالإبقاء على أشخاص وصفهم بـ«الخونة» داخل مكتبه.
وقال بينيت، خلال مقابلة مع برنامج «ميت ذا برس»، إن ما كُشف في الأيام الأخيرة يتضمن، بحسب وصفه، اعترافاً من إيلي فيلدشتاين أوريتش بتلقي أموال والعمل لمصلحة قطر من داخل مكتب رئيس الوزراء. وأضاف أن نتنياهو موّل حماس على مدى 14 عاماً، معتبراً أن سياساته أسهمت في نشوء التهديد الذي واجهته إسرائيل.
وربط بينيت بين قضية قطر ومسؤولية نتنياهو السياسية والأمنية، قائلاً إنه فقد الثقة تماماً بحكم رئيس الوزراء وقدرته على اتخاذ القرارات المناسبة، ولا سيما في ضوء هجوم 7 أكتوبر وتداعياته.
كما تساءل عن أسباب عدم إقالة الأشخاص الذين تحوم حولهم الشبهات المرتبطة بالقضية، وعن موقف الحكومة من قطر، مطالباً بتوضيحات بشأن طبيعة العلاقة بين نتنياهو والدوحة.
وشدد بينيت على أنه لا يقدم هذه الانتقادات بوصفها مجرد خلافات انتخابية، بل باعتبارها، من وجهة نظره، مسائل تتعلق بأمن إسرائيل ونزاهة المؤسسات الحكومية. ولم يتضمن الحوار المعروض رداً من نتنياهو على الاتهامات التي وجهها إليه بينيت.
قضية قطر في قلب المواجهة الانتخابية
وتصدرت قضية قطر جانباً رئيسياً من المقابلة، إذ قال بينيت إن المعلومات التي ظهرت أخيراً تستدعي تشدداً أكبر من جانب رئيس الوزراء، خصوصاً إذا ثبت أن أشخاصاً يعملون داخل مكتبه تلقوا أموالاً للترويج لمصالح قطرية.
وأشار إلى أنه تجنب في السابق توجيه اتهامات مباشرة إلى نتنياهو أو التشكيك فيه في ملفات أخرى، لكنه اعتبر أن التطورات الأخيرة تستدعي طرح أسئلة بشأن المسؤولية السياسية والإدارية عن القضية.
وتساءل بينيت عن أسباب عدم اتخاذ إجراءات بحق الأشخاص المعنيين، كما طالب بتوضيح موقف الحكومة من تصنيف قطر دولة معادية، معتبراً أن التعامل مع الدوحة يجب أن يخضع، وفق رؤيته، لمراجعة في ضوء دورها في الملفات الإقليمية.
وعندما سُئل عما إذا كان يلمح إلى وجود صفقة أو علاقة غير معلنة بين نتنياهو وقطر، قال إنه لا يعرف طبيعة العلاقة، لكنه وصف ما يحيط بها بأنه سلوك غير مألوف وغريب، داعياً رئيس الوزراء إلى تقديم إجابات واضحة.
وتأتي هذه التصريحات في سياق تصاعد المواجهة بين بينيت ونتنياهو قبل الانتخابات، في وقت تسعى فيه الأحزاب المعارضة إلى استقطاب أصوات من معسكر الليكود واليمين الإسرائيلي.
بينيت يرفض حسم رئاسة الحكومة لصالح الحزب الأكبر
وفي ما يتعلق بترتيبات قيادة المعسكر المعارض بعد الانتخابات، رفض بينيت الالتزام بأن يتولى رئاسة الحكومة زعيم الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد، مؤكداً أن معيار تحديد المرشح ينبغي أن يكون عدد التوصيات التي يقدمها أعضاء الكنيست، وليس حجم الحزب وحده.
وقال إن القانون الإسرائيلي لا ينص على أن زعيم الحزب الأكبر يجب أن يصبح رئيساً للحكومة، بل إن المسألة ترتبط بعدد النواب الذين يوصون بتكليف المرشح بتشكيل الحكومة.
وأوضح بينيت أنه حاول سابقاً التوصل إلى اتفاق لتوحيد القوى المعارضة، لكن تلك الجهود لم تنجح، ولذلك بات يركز على توسيع حجم الكتلة بدلاً من الانشغال بالمنافسة على ترتيب الأحزاب داخلها.
وأشار إلى أنه يعمل على استقطاب ناخبين من معاقل الليكود ومؤيدي إيتمار بن غفير، معتبراً أن هذه الاستراتيجية هي الطريق الأنسب لزيادة فرص المعسكر المعارض في الانتخابات.
وأكد بينيت احترامه لنتيجة الانتخابات أياً كانت، قائلاً إنه سيحترم اختيار غادي أيزنكوت إذا حصل على التفويض، وكذلك أفيغدور ليبرمان إذا أصبح المرشح المتفق عليه. وأضاف أن علاقاته مع أيزنكوت جيدة، وأنهما يستطيعان العمل شريكين.
وحذر من أن الخلافات العلنية حول هوية رئيس الحكومة المقبل قد تضر بفرص الكتلة، داعياً إلى التركيز على توسيع قاعدتها الانتخابية بدلاً من الدخول في صراعات داخلية.
الخدمة العسكرية والمساعدات الاجتماعية
ودافع بينيت عن برنامجه الاجتماعي، مستشهداً بأوضاع عائلات جنود الاحتياط الذين يواجهون ضغوطاً اقتصادية نتيجة طول فترات الخدمة العسكرية.
وقال إنه التقى خلال الأشهر الماضية عشرات الآلاف من الإسرائيليين، وإنه استمع إلى مشكلات أسر تضررت أعمالها وتفاقمت أعباؤها بسبب استدعاء أفرادها إلى الاحتياط.
وضرب مثالاً بعائلة قال إن الزوج فيها أمضى 120 يوماً في الخدمة، بينما انهارت شركة تنظيف المسابح التي يملكها، وأصبحت الأسرة تواجه ضغوطاً متزايدة. واعتبر أن معالجة هذه الأوضاع تمثل أولوية يجب أن تنعكس على سياسات الحكومة المقبلة.
وفي هذا السياق، تعهد بإجراء تغيير في نظام الدعم الحكومي، قائلاً إن من لا يتطوع للخدمة أو لا يعمل لن يحصل على أموال من الدولة، وفق الصيغة التي طرحها، وإنه يريد تحويل نحو 30 مليار شيكل إلى مزايا مخصصة للأسر التي تتحمل أعباء الخدمة والعمل.
كما انتقد السماح باستمرار التهرب من الخدمة العسكرية، وهاجم الحكومة بسبب ما اعتبره إخفاقاً في التعامل مع حماس والجريمة داخل المجتمع العربي.
وأكد أن الأسئلة الاقتصادية والأمنية التي يطرحها المواطنون، وفي مقدمتها كيفية إعالة الأسر في ظل ارتفاع الأعباء واستمرار القتال، يجب أن تتقدم على الحسابات السياسية الضيقة.
موقف من الدولة الفلسطينية والإصلاح القضائي
وفي الجانب السياسي والأيديولوجي، أكد بينيت تمسكه بمواقفه اليمينية في ما يتعلق بالأرض الفلسطينية، معلناً رفضه إقامة دولة فلسطينية، ومشدداً على أنه لن يتنازل عن أي جزء مما وصفه بأرض إسرائيل.
واستشهد بمواقفه السابقة في مواجهة بعض قرارات نتنياهو المتعلقة بالفلسطينيين والقدس، قائلاً إنه عارض خطوات رأى أنها تمثل تنازلات سياسية.
وفي المقابل، دافع عن التغييرات التي طرأت على بعض مواقفه الاجتماعية، مشيراً إلى أنه أصبح مؤيداً لمنح المثليين حقوقاً كاملة في إسرائيل، بعدما كان يتبنى موقفاً محافظاً في هذا الملف.
أما بشأن النظام القضائي، فأقر بينيت بأن المنظومة تحتاج إلى إصلاح، لكنه اتهم الحكومة الحالية باستخدام هذا الملف بطريقة أدت إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بدلاً من معالجة المشكلات القائمة.
وقال إنه يعتزم إلغاء التشريعات التي دفعت بها الحكومة الحالية في إطار الإصلاح القضائي، ثم العمل على صياغة تغييرات جديدة بالتوافق مع الأطراف الأخرى، متعهداً بعدم تجاوز المعسكر المقابل.
وعندما سُئل عن احتمال إقرار قانون يمنح رئيس الوزراء حماية خاصة بصفته متهماً، قال إن محامين يرون أن مثل هذا التشريع غير دستوري، وتوقع أن يُلغى إذا أُقر.
هجوم على الحكومة بسبب حماس والأمن
وواصل بينيت انتقاد سياسات نتنياهو الأمنية، معتبراً أن الحكومة تتعامل مع حماس بطريقة تسمح باستمرار قوتها العسكرية، وأشار إلى تقديرات بشأن امتلاك الحركة نحو 32 ألف مقاتل، بحسب ما ورد في المقابلة.
كما انتقد استمرار الهجمات والتوتر الأمني، قائلاً إن الإسرائيليين ما زالوا يواجهون تداعيات الحرب، بينما تستمر خدمة الاحتياط وتتزايد الأعباء على العائلات والاقتصاد.
وربط بينيت هذه الملفات بما وصفه بفشل الحكومة في تحمل المسؤولية عن هجوم 7 أكتوبر، مؤكداً أن تقييم أي تحرك عسكري مستقبلي يجب أن يستند إلى مصلحة إسرائيل الأمنية، لا إلى اعتبارات نتنياهو السياسية.
وفي رده على سؤال بشأن احتمال شن هجوم على إيران بعد الانتخابات، قال إنه سيدعم أي خطوة إذا كانت صحيحة من الناحية الأمنية، لكنه لن يؤيدها إذا خلص إلى أنها لا تخدم مصلحة إسرائيل. وأضاف أنه لا يثق بحكمة نتنياهو أو نزاهة قراراته.
مواجهة مع ممثل الأحزاب الحريدية
وفي ختام الحلقة، شهد الاستوديو نقاشاً حاداً بين بينيت ويعقوب آشر، ممثل حزب «يهدوت هتوراه»، بعد سؤال آشر عما إذا كان سيدعم حكومة برئاسة بينيت.
ورد آشر بأنه لن يدعم شخصاً يسعى إلى زيادة أصواته بهذه الطريقة، فيما رفض بينيت هذا الاتهام، قائلاً إنه لا يعمل على استمالة الأحزاب الحريدية، بل يركز على مصالح جنود الجيش الإسرائيلي.
ويعكس هذا السجال استمرار الخلاف بشأن الخدمة العسكرية وموقف الأحزاب الحريدية من التجنيد، وهو أحد الملفات التي يضعها بينيت في صلب برنامجه الانتخابي.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يسعى بينيت إلى الجمع بين استقطاب ناخبين من اليمين، وتقديم نفسه بديلاً لنتنياهو، مع التركيز على قضايا الأمن والمسؤولية الحكومية وتكاليف المعيشة. غير أن موقفه من هوية المرشح الذي ينبغي أن يقود المعسكر المعارض بعد الانتخابات، إلى جانب خلافاته مع الأحزاب الأخرى، سيبقى من الملفات المؤثرة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.







