وكالات - أنهت الأسهم الأمريكية تعاملات الخميس 22 أكتوبر/تشرين الأول على انخفاض، مع تعرض أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية لضغوط قوية، وسط تجدد المخاوف بشأن حجم الإنفاق الذي تخصصه الشركات الكبرى لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي ومدى قدرتها على تحقيق عوائد تتناسب مع هذه الاستثمارات.
وسجل مؤشر ناسداك المجمع، الذي يضم نسبة كبيرة من شركات التكنولوجيا، أكبر انخفاض يومي له منذ يونيو/حزيران، في وقت تراجع فيه مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أيضًا بصورة حادة، بينما حافظ مؤشر داو جونز الصناعي على استقراره النسبي وأنهى الجلسة على ارتفاع طفيف.
وبحسب البيانات الأولية، هبط مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 92.40 نقطة، بما يعادل 1.19%، ليغلق عند 7664.77 نقطة. كما انخفض مؤشر ناسداك المجمع بمقدار 690.28 نقطة، أو 2.58%، إلى 26008.86 نقطة.
في المقابل، ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 17.51 نقطة، بما يعادل 0.03%، ليصل إلى 52873.60 نقطة.
وعكست هذه التحركات تباين أداء القطاعات الأمريكية، إذ تركزت الضغوط بصورة أكبر على الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي كانت من أبرز محركات صعود السوق خلال الفترة السابقة.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى مصدر قلق للمستثمرين
جاء التراجع عقب سلسلة من تقارير نتائج الأعمال الصادرة عن شركات كبرى، أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن الجدوى الاقتصادية للإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في ظل ضخ استثمارات كبيرة في البنية التحتية والحوسبة ومراكز البيانات والتقنيات المرتبطة بها.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي كان أحد المحركات الرئيسية لمكاسب أسهم التكنولوجيا، فإن ارتفاع النفقات الرأسمالية والتشغيلية بات يثير قلق المستثمرين بشأن التدفقات النقدية المستقبلية وهوامش الربحية، خصوصًا عندما لا تترافق الاستثمارات المتزايدة مع عوائد فورية أو واضحة بالقدر المتوقع.
وقال بول نولتي، كبير مستشاري الثروة ومستشار استراتيجيات السوق لدى شركة «ميرفي آند سيلفيست» في إلمهورست بولاية إلينوي الأمريكية، إن قطاع التكنولوجيا وحده يواجه ضغوطًا كبيرة، رغم أنه ظل لفترة طويلة أحد أبرز محركات أداء الأسواق.
وأضاف أن المستثمرين بدأوا يدركون وجود ثغرات في التوقعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن تأثير هذه المخاوف يتضخم بسبب الوزن الكبير لشركات التكنولوجيا في المؤشرات الرئيسية.
ويشير هذا التحول إلى أن المستثمرين لم يعودوا يركزون فقط على قدرة الشركات على زيادة الإيرادات، بل باتوا يدققون أيضًا في حجم الأموال التي تنفقها لتحقيق النمو، ومدى انعكاس تلك النفقات على الأرباح والتدفقات النقدية.
ميتا تتجاوز توقعات الأرباح لكن الإنفاق يثير المخاوف
تراجع سهم شركة «ميتا بلاتفورمز»، الشركة الأم لفيسبوك، رغم إعلان نتائج تجاوزت توقعات المحللين، بعدما سلطت الشركة الضوء على التكلفة المالية المتزايدة لاستثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت النتائج أن الشركة سجلت أول تدفق نقدي خارجي لها منذ أكثر من عقد، في تطور ارتبط بارتفاع نفقاتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. وأثار ذلك تساؤلات لدى المستثمرين بشأن قدرة الشركة على مواصلة تمويل توسعها التقني مع الحفاظ على قوة تدفقاتها النقدية.
كما أعلنت ميتا خططًا لإصدار أسهم لا تمنح حقوق التصويت، ضمن عملية لتجزئة الأسهم بنسبة اثنين إلى واحد، بهدف جمع رأس المال اللازم لتمويل الإنفاق على هذه التكنولوجيا.
وعكست استجابة السوق لنتائج الشركة أن تجاوز توقعات المحللين لا يكفي بالضرورة لدعم السهم، إذا كانت النتائج أو الخطط المستقبلية تشير إلى ارتفاع كبير في الاحتياجات التمويلية أو تراجع السيولة المتاحة.
ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتوسيع قدراتها الحاسوبية، وهو سباق يتطلب استثمارات ضخمة، بينما لا تزال العوائد المالية طويلة الأجل لبعض هذه المشروعات موضع تقييم من جانب الأسواق.
تسلا تتراجع رغم تحسن التدفقات النقدية
لم تسلم شركة «تسلا» من موجة البيع، إذ انخفض سهم الشركة المصنعة للسيارات الكهربائية رغم تسجيلها تدفقًا نقديًا حرًا إيجابيًا خلال الربع، على نحو لم يكن متوقعًا، إلى جانب خفض خطط الإنفاق الرأسمالي لعام 2026.
ويبرز تراجع السهم أن المستثمرين يقيّمون الشركات في ضوء مجموعة أوسع من العوامل، ولا يكتفون بالمؤشرات المالية الفصلية الإيجابية أو خفض النفقات المخطط لها.
كما يعكس أداء تسلا استمرار حساسية أسهم الشركات ذات التقييمات المرتفعة لتغير توقعات المستثمرين بشأن النمو المستقبلي والقدرة على تحويل الاستثمارات إلى أرباح مستدامة.
وجاء تراجع السهم في سياق أوسع من الضغوط على قطاع التكنولوجيا، بعدما دفعت نتائج الشركات ومؤشرات الإنفاق على الذكاء الاصطناعي المستثمرين إلى إعادة النظر في بعض التوقعات التي دعمت أسعار الأسهم خلال الأشهر الماضية.
هجمات الحوثيين ترفع النفط وتزيد المخاوف التضخمية
على الصعيد الجيوسياسي، أسهمت هجمات جديدة شنتها جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران على أهداف في السعودية في دفع أسعار النفط الخام إلى أعلى مستوياتها في خمسة أشهر.
وأعاد ارتفاع أسعار الطاقة المخاوف بشأن احتمال استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، خصوصًا إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط وأدت إلى اضطرابات إضافية في إمدادات النفط أو زيادة تكاليف النقل والإنتاج.
ويثير ارتفاع النفط قلق المستثمرين من احتمال أن يواجه مجلس الاحتياطي الاتحادي، البنك المركزي الأمريكي، صعوبة أكبر في احتواء التضخم، ما قد يدفعه إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول أو مواصلة رفع أسعار الفائدة إذا استدعت الظروف الاقتصادية ذلك.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بالنسبة إلى أسهم التكنولوجيا، التي تتأثر عادة بارتفاع أسعار الفائدة بسبب تأثيرها في تكلفة التمويل وتقييم الأرباح المستقبلية. كما أن زيادة تكاليف الطاقة قد تضغط على أرباح الشركات في قطاعات متعددة، وتضعف القوة الشرائية للمستهلكين.
وهكذا اجتمعت الضغوط الجيوسياسية مع المخاوف المتعلقة بالإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لتشكل عاملين إضافيين زادا من حذر المستثمرين خلال جلسة الخميس.
تباين المؤشرات يعكس اختلاف أداء القطاعات
أظهر أداء المؤشرات الأمريكية تباينًا واضحًا بين القطاعات، إذ تكبد ناسداك أكبر الخسائر بسبب تركيزه الكبير على شركات التكنولوجيا، بينما كان تراجع ستاندرد آند بورز 500 أقل حدة نسبيًا، في حين سجل داو جونز ارتفاعًا هامشيًا.
ويعكس هذا التباين أن موجة البيع لم تشمل جميع مكونات السوق بالدرجة نفسها، بل تركزت بصورة أساسية في الأسهم التي ارتفعت أهميتها السوقية بفعل التوقعات المتفائلة بشأن الذكاء الاصطناعي.
ومع ازدياد التدقيق في النفقات الرأسمالية والتدفقات النقدية، أصبح المستثمرون أكثر حساسية لأي إشارات توحي بأن السباق التقني قد يتطلب تمويلًا أكبر أو فترة أطول لتحقيق عوائد ملموسة.
الأسواق أمام اختبار جديد لتوقعات الذكاء الاصطناعي
تضع خسائر وول ستريت المستثمرين أمام اختبار جديد لتقييم مستقبل قطاع التكنولوجيا، في ظل التوازن بين فرص النمو التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة بتكاليف تطويره وتوسيع استخدامه.
ففي حين لا تزال الشركات الكبرى تستثمر بكثافة في هذه التقنيات لتعزيز قدراتها التنافسية، فإن الأسواق باتت تولي اهتمامًا متزايدًا بمستوى الإنفاق، وجودة الأرباح، وقدرة الشركات على توليد النقد، بدلًا من الاعتماد على توقعات النمو وحدها.
وفي الوقت نفسه، يضيف ارتفاع النفط والتوترات في الشرق الأوسط طبقة جديدة من عدم اليقين، عبر احتمال زيادة التضخم وتعقيد قرارات السياسة النقدية الأمريكية.
وبذلك، كشفت جلسة الخميس عن تراجع شهية المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا، مع تزايد الحاجة إلى أدلة مالية واضحة تبرر الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي، في وقت تتداخل فيه مخاطر الشركات مع ضغوط الاقتصاد والجغرافيا السياسية.







