وكالات - اقتربت تركيا من توسيع عمليات التنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، بعدما صادق مجلس النواب الليبي، ومقره بنغازي، على اتفاق لترسيم مناطق الصلاحية البحرية، في خطوة ترفضها اليونان وقبرص، العضوان في الاتحاد الأوروبي.
وقالت وزارة الخارجية التركية إن مصادقة الإدارة الليبية في شرق البلاد، الثلاثاء، على الاتفاق من شأنها حماية حقوق أنقرة وتعزيز التعاون بين البلدين.
وكانت حكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي تتخذ من طرابلس مقراً لها وتربطها علاقات وثيقة بتركيا، قد أيدت الاتفاق في وقت سابق، ما يمنح أنقرة فرصة لتعزيز موقفها في النزاع البحري المستمر منذ سنوات في المنطقة.
التنقيب قرب جزيرة كريت يثير خلافاً إقليمياً
قد تعزز موافقة مجلس النواب الليبي مطالبات تركيا بمناطق بحرية متنازع عليها، وتمهد الطريق أمام السفن التركية لتوسيع عمليات التنقيب عن النفط والغاز شرق جزيرة كريت، الواقعة بين تركيا وليبيا.
لكن هذه الخطوة قد تزيد حدة الخلاف مع اليونان وقبرص، اللتين تتمسكان بحقوق بحرية في مساحات واسعة من شرق المتوسط، حيث تتداخل المطالبات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد الطاقة.
كما تتنازع ليبيا واليونان بشأن تراخيص للتنقيب البحري منحتها أثينا في المياه الواقعة جنوب جزيرة كريت، ما يضيف بُعداً جديداً إلى الخلافات المتعلقة بحقوق الاستكشاف والاستغلال في المنطقة.
الاتحاد الأوروبي يرفض الاتفاق
أثارت الخطوة الليبية اعتراضاً أوروبياً، إذ قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في بيان نشرته على منصة «إكس» في وقت متأخر من الثلاثاء، إن الاتفاق ينتهك الحقوق السيادية لدول أخرى ولا يتوافق مع قانون البحار، واعتبرته «باطلاً ولاغياً».
وأضافت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يجدد تضامنه مع اليونان وقبرص، في موقف يعكس استمرار الخلاف بشأن الحدود البحرية وحقوق الدول في شرق البحر المتوسط.
ويأتي الاعتراض الأوروبي في ظل تداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة، ولا سيما مع تزايد الاهتمام باحتياطيات الغاز الطبيعي وإمكانية تطوير مشاريع لنقل الطاقة إلى الأسواق الأوروبية.
تداعيات محتملة على مشاريع الطاقة والاستثمار
يرى أنس القماطي، مؤسس معهد «صادق» للأبحاث ومقره طرابلس، أن موافقة مجلس النواب الليبي قد تتيح لتركيا القول إن مطالباتها البحرية تحظى بدعم من المؤسستين الليبيتين في الشرق والغرب.
وأضاف القماطي، في منشور على منصة «إكس»، أن هذه الخطوة قد تشجع أنقرة على تأكيد مطالباتها بصورة أكبر، بما قد يعقد خطط مد الكابلات وخطوط الأنابيب التي تربط قبرص واليونان بأوروبا.
وأشار إلى أن التطورات البحرية قد تفرض مخاطر إضافية على المستثمرين وشركات التأمين العاملة في المنطقة، إذ ستحتاج الشركات إلى أخذ النزاعات القانونية والسياسية في الاعتبار عند تقييم حركة السفن ومشاريع البنية التحتية للطاقة.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية في ظل اعتماد مشاريع الطاقة البحرية على وضوح الأطر القانونية والتنظيمية، واستقرار العلاقات بين الدول المطلة على البحر المتوسط.
تنافس جيوسياسي بين تركيا وإسرائيل وحلفائهما
لا تقتصر تداعيات الاتفاق على ملف ترسيم الحدود والتنقيب عن الطاقة، بل تمتد إلى التوازنات الجيوسياسية في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
وقالت أسلي أيدينتاشباش، الباحثة في معهد «بروكينغز»، إن المنطقة تشهد بروز كتلتين جيوسياسيتين تتزايد المنافسة بينهما، إحداهما بقيادة تركيا والأخرى بقيادة إسرائيل، وتمتد هذه المنافسة من شرق البحر المتوسط إلى مناطق أوسع في الشرق الأوسط.
وأضافت أن اتساع النفوذ التركي في ليبيا يعزز موقع أنقرة، في وقت يتعمق فيه التقارب بين إسرائيل واليونان وقبرص في مجالي الطاقة والدفاع.
ويعكس ذلك تشابك ملفات الطاقة والحدود البحرية والتحالفات الأمنية في المنطقة، حيث يمكن لأي تطور في الاتفاقات البحرية أن يؤثر في حسابات الدول وخطط الشركات المعنية باستكشاف الموارد وتطوير البنية التحتية.
مستقبل النزاع البحري في شرق المتوسط
تضع المصادقة الليبية الاتفاق في صلب خلاف إقليمي أوسع بشأن تحديد المناطق البحرية وحقوق التنقيب عن النفط والغاز، وسط مواقف متعارضة بين تركيا واليونان وقبرص، واعتراضات أوروبية على الخطوة.
وبينما ترى أنقرة أن الاتفاق يعزز حقوقها وتعاونها مع ليبيا، تحذر المواقف المعارضة من تأثيره على الحقوق البحرية لدول أخرى وعلى مشاريع الطاقة العابرة للحدود.
ومن شأن استمرار الخلاف أن يبقي عمليات التنقيب ومشاريع الكابلات وخطوط الأنابيب في شرق المتوسط مرتبطة بالتطورات السياسية والقانونية، في منطقة تتزايد فيها أهمية موارد الطاقة وتتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية.







