متابعات - تراجعت جامعة تل أبيب عن قرار إخلاء طالبة فلسطينية من السكن الجامعي، اتُّخذ على خلفية ملصق ذي مضمون سياسي وضعته على حاسوبها الشخصي، وذلك عقب تدخل قانوني من مركز عدالة، الذي طعن في قانونية القرار، معتبرًا أنه يمس بحرية التعبير وصدر من دون صلاحية قانونية أو اتباع الإجراءات التأديبية المعمول بها في الجامعة.
وأعلن رئيس الجامعة، البروفيسور أريئيل بورات، في 13 تشرين الأول/أكتوبر، إلغاء قرار الإخلاء، بعد أن توجّه مركز عدالة إلى إدارة الجامعة في الثامن من الشهر نفسه، ثم قدّم استئنافًا عاجلًا في 12 تشرين الأول/أكتوبر، طالب فيه بتجميد تنفيذ القرار وإلغائه.
وفي أعقاب الاستئناف، أقرت عميدة شؤون الطلاب والطالبات، البروفيسورة دوريت نويمن، بأن مدير السكن الجامعي تجاوز صلاحياته، وقررت إلغاء أمر الإخلاء. لكن مركز عدالة شدد على أن التراجع عن القرار لا يعالج جميع الإشكاليات التي كشفت عنها القضية، خصوصًا ما يتعلق بالتعامل مع شكاوى تستهدف طلابًا فلسطينيين بسبب تعبيرهم عن مواقف سياسية داخل المؤسسات الأكاديمية.
ملصق سياسي قاد إلى قرار الإخلاء
وتعود القضية إلى السابع من تشرين الأول/أكتوبر، حين استُدعيت الطالبة إلى اجتماع مع مدير السكن الجامعي من دون إبلاغها مسبقًا بموضوعه. وخلال اللقاء، أُبلغت بأن طلابًا آخرين تقدموا بشكوى ضدها بسبب ملصق وضعته على حاسوبها الشخصي.
ويظهر الملصق خريطة فلسطين التاريخية، إلى جانب عبارة «النكبة مستمرة، العودة مؤكدة، الصمود واجب». وخلال الاجتماع، اعتُبر أن الملصق يحمل رسائل عنيفة، رغم توضيح الطالبة دلالات العبارة ومضمونها. وفي نهاية اللقاء، أُبلغت بضرورة إخلاء غرفتها خلال أسبوعين.
واعتبر مركز عدالة أن الانتقال من شكوى بشأن ملصق سياسي على حاسوب شخصي إلى قرار يمس بمكان إقامة الطالبة يمثل مساسًا بحرية التعبير، ولا سيما أن الجامعة لم توضح طبيعة المخالفة المنسوبة إليها أو تحدد البند الذي يُشتبه في أنها خالفته.
وفي التوجه القانوني إلى الجامعة، قالت المحامية لبنى توما من مركز عدالة إن العبارة الواردة على الملصق تندرج ضمن التعبير السياسي الذي تكفله حرية التعبير، ولا تتضمن بحد ذاتها دعوة إلى العنف أو تهديدًا أو تحريضًا على ارتكاب فعل عنيف.
وتساءلت توما عن الأساس الذي استند إليه مدير السكن في تفسير الملصق باعتباره تعبيرًا عن العنف، مؤكدة أن اعتراض بعض الطلاب على مضمون سياسي أو شعورهم بالانزعاج منه لا يحوّل التعبير السياسي تلقائيًا إلى مخالفة تأديبية، ولا يبرر اتخاذ إجراءات عقابية بحق صاحبته.
عدالة: القرار صدر من دون صلاحية وإجراءات سليمة
وشملت اعتراضات مركز عدالة المسار الذي اتُّبع في اتخاذ القرار، إذ قال إن الطالبة استُدعيت إلى الاجتماع من دون تسليمها شكوى خطية أو إبلاغها مسبقًا بالتهم الموجهة إليها، كما لم تُمنح المهلة التي تنص عليها أنظمة الجامعة في الإجراءات ذات الصلة.
وأشار المركز إلى أن هذه الخطوات أثارت تساؤلات بشأن ضمان حق الطالبة في معرفة الادعاءات الموجهة ضدها والرد عليها قبل اتخاذ إجراء يمس بمكان إقامتها.
وفي ما يتعلق بالصلاحيات، أوضحت المحامية توما أن أنظمة السكن الجامعي تحدد آلية للنظر في القضايا التأديبية، وتنص على تشكيل لجنة من ثلاثة أعضاء، هم عميد شؤون الطلاب أو ممثله، ورئيس اتحاد الطلاب أو ممثله، وممثل الجهة المشغّلة.
وبحسب توما، لم تُعقد في حالة الطالبة جلسة أمام لجنة التأديب وفق التركيبة المحددة في الأنظمة، ولم يُعرض القرار على الجهة المخوّلة بالنظر في مثل هذه الحالات، رغم ما يترتب على الإخلاء من آثار مباشرة على حقوق الطالبة وظروف إقامتها.
وبناءً على هذه الاعتراضات، طالب مركز عدالة بإلغاء القرار فورًا. وانتهت الإجراءات إلى إلغائه، بعدما خلصت عميدة شؤون الطلاب والطالبات إلى أن مدير السكن الجامعي تجاوز صلاحياته.
توما: إلغاء القرار لا ينهي القضية
وفي تعقيبها على إلغاء الإخلاء، قالت المحامية لبنى توما إن التراجع عن القرار كان واجبًا، لكنه لا يقلل من خطورة الظروف التي أدت إلى صدوره.
وأضافت أن إصدار أمر بإخلاء طالبة من السكن الجامعي بسبب ملصق سياسي على حاسوبها الشخصي، من دون صلاحية قانونية أو اتباع الإجراءات التأديبية المطلوبة، يثير تساؤلات بشأن كيفية ممارسة الصلاحيات داخل المساكن الجامعية، ومدى وجود رقابة تمنع المساس بحقوق الطلاب.
واعتبرت توما أن القضية تتجاوز الحالة الفردية، وتطرح تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع الشكاوى المقدمة ضد الطلاب الفلسطينيين بسبب مواقفهم السياسية. وحذرت من أن منح هذه الشكاوى شرعية مؤسسية، ثم اتخاذ إجراءات بحق الطلاب من دون التحقق من وجود أساس لمخالفة تأديبية، قد يحوّل الآليات التأديبية إلى وسيلة للضغط على حرية التعبير.
وشددت على ضرورة أن يستند التعامل مع الشكاوى إلى وقائع واضحة ونصوص تنظيمية محددة، لا إلى مجرد اعتراضات أو تفسيرات شخصية لمضمون التعبير السياسي، مع التمييز بين التعبير عن موقف سياسي والدعوة إلى العنف.
تقرير يوثق شكاوى تتعلق بحرية التعبير في المؤسسات الأكاديمية
وربطت توما القضية بما وصفته بنمط أوسع من ملاحقة الطلاب الفلسطينيين في مؤسسات التعليم العالي في إسرائيل، مستندة إلى تقرير أصدره مركز عدالة بعنوان «الأبارتهايد في الأكاديميا الإسرائيلية: الطلاب الفلسطينيون بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023».
وبحسب المركز، استند التقرير إلى 132 توجهًا من نحو 40 مؤسسة أكاديمية، إلى جانب تحليل 100 حالة تولّى فيها المركز التمثيل القانوني أو المرافقة القانونية. ويقول المركز إن هذه الحالات تكشف عن استخدام آليات تأديبية بحق طلاب فلسطينيين على خلفية تعبيرهم عن مواقف سياسية، بما يثير تساؤلات بشأن حماية الحقوق الأساسية وضمانات الإجراءات العادلة.
وترى توما أن التهديد بإخلاء طالبة من سكنها الجامعي بسبب ملصق سياسي قد يبعث برسالة تتجاوز الحالة الفردية، مفادها أن التعبير عن مواقف سياسية قد يعرّض الطلاب لعواقب تمس حياتهم الأكاديمية واليومية. وأضافت أن مثل هذه القرارات قد تخلق مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية، يدفع الطلاب إلى تجنب التعبير عن مواقفهم خشية التعرض لشكاوى أو إجراءات تأديبية.
مطالب بضمانات تمنع تكرار الحالة
ورغم إلغاء قرار الإخلاء، اعتبر مركز عدالة أن معالجة القضية لا ينبغي أن تقتصر على مسألة تجاوز الصلاحيات، بل يجب أن تشمل مراجعة آليات تلقي الشكاوى وفحصها، والضوابط التي تحكم استخدام الصلاحيات التأديبية داخل المؤسسات الأكاديمية.
وأكدت توما أن إلغاء قرارات فردية عقب تدخل قانوني لا يوفر وحده ضمانة كافية لمنع تكرار مثل هذه الحالات، داعية إلى تغيير منهجي يضمن عدم تحويل الشكاوى المتعلقة بالتعبير السياسي إلى أدوات للملاحقة أو الإسكات، ويوفر رقابة فعلية على القرارات التأديبية.
وشددت على أن مسؤولية الجامعة لا تنتهي بإلغاء قرار الإخلاء، بل تشمل ضمان عدم تكرار الحالة مستقبلًا، والتأكد من أن أي إجراء تأديبي يستند إلى أساس واضح ويُتخذ وفق الأنظمة المعمول بها، مع احترام حقوق الطلاب وضمان حقهم في الدفاع عن أنفسهم.







