غزة/سماح سامي
يواجه نحو نصف مليون مواطن في قطاع غزة المنهك سكانه بفعل الحرب المستمرة منذ سنوات، وتداعياتها الكارثية، خطر المجاعة بعد قرار برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات الغذائية التي يعتمدون عليها لتأمين قوت يومهم.
ومؤخرا، أعلن برنامج الأغذية العالمي عزمه خفض المساعدات الغذائية المقدمة لنحو نصف مليون شخص في قطاع غزة، بسبب نقص التمويل والتخفيضات التي أقرتها الأمم المتحدة، في خطوة تهدد بتفاقم الأوضاع المعيشية للأسر الأكثر احتياجًا.
وحدد برنامج الأغذية العالمي حجم تقليص مساعداته الغذائية في قطاع غزة بنحو الثلث مبررا ذلك بنقص التمويل، ومؤكدا حاجته العاجلة إلى 450 مليون دولار للحفاظ على عملياته الحيوية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، خلال الفترة من أكتوبر/ تشرين الأول 2026 إلى مارس آذار 2027.
ووفق البرنامج الأممي، فقد انخفض عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية والنقدية في غزة من مليون و600 ألف شخص إلى مليون و100 ألف شخص، اعتبارا من أكتوبر/تشرين الأول 2026
ويتزامن ذلك مع تقليص الحصص الغذائية والمساعدات النقدية، وخفض عدد الوجبات المقدمة يوميا من 250 ألفا إلى 150 ألف وجبة، حسب البرنامج.
قرار كارثي
ولا يقتصر تأثير تقليص المساعدات على انخفاض كميات الغذاء، بل يمتد إلى قدرة الفلسطينيين على توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.
العين بصير والايد قصيرة" بهذا المثل بدأ الشاب محمود أحمد كلماته معبرا فيها عن استيائه من قرار برنامج الغذاء العالمي، الذي في حال تنفيذه فإنه من الممكن أن يحرمه والآلاف من الأسر في القطاع من مساعدات غذائية كانت بمثابة "طوق نجاة" لهم.
وأوضح أحمد في حديثه لـ "شبكة مصدر الإخبارية" أنه بالكاد يستطيع توفير الطعام لأفراد عائلته في ظل الارتفاع الجنوني في الأسعار، مشيرا إلى عدم مقدرته على شراء كيس الطحين الذي وصل سعره لقرابة 100 شيكلًا، والسكر لنحو 250 شيكلًا، مع توقعات بالزيادة في حال عدم إدخالها من قبل الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام القليلة القادمة.
ولفت إلى أن ما يحصله من مبلغ مالي نهاية كل أسبوع يحاول فيه إرضاء عائلته بشراء ما لذ وطاب لهم يوم الجمعة، ليعوضهم فيه عن بقية أيام الأسبوع، الذي يحرمون فيها شراء وطهي الطعام، لعدم مقدرته على تأمينه.
قرار مجحف
أما أم محمد المدهون فلم تكن أفضل حالا من سابقها، فقد عبرت عن خوفها وقلقها الشديدين من فقدان المساعدات التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي لها، خاصة أنها تعيش برفقة ابنتها وزوجة ابنها وأحفادها دون معيل.
وأوضحت المدهون بصوت حزين لـ "شبكة مصدر الإخبارية" أنها تعتمد بشكل كامل على المساعدات المقدمة من البرنامج، لتوفير الطعام لعائلتها، بعد أن استشهد زوجها خلال الحرب، كما صنف ابنها وزوج ابنتها في أعداد المفقودين دون وروود أي معلومات عنهم، وبذلك أصبح ثلاثتهم دون معيل، واصفا القرار بالمجحف.
وبينت أن ما تستلمه هي وابنتها وكنتها من مساعدات غذائية، كالطحين والعدس والأرز وبعض المعلبات، يعينهم على صناعة الخبز وطهي الطعام، خاصة أن المؤسسات الدولية والمحلية لا تعترف بأبناء المفقودين كأيتام وبالتالي ليس لديهم المال لشراء ما يلزمهم من طعام.
وأشارت إلى حاجة كافة المواطنين في القطاع للمساعدات بعد الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشوها ومازالوا، متساءلا عن الذنب الذي ارتكبه نصف مليون شخص لقطع المساعدات عنهم.
تعميق انعدام الأمن الغذائي
المحلل والخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أكد أن قرار برنامج الأغذية العالمي يمثل تقليص المساعدات المقدمة لنحو 500 ألف فلسطيني في قطاع غزة ضربة جديدة للاقتصاد المنهك، إذ تمتد تداعياته من تراجع الدعم الغذائي إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر ومستويات الاستهلاك والطلب في الأسواق المحلية.
وقال أبو قمر في حديثه لـ "شبكة مصدر الإخبارية" لعل خروج قرابة ربع سكان غزة من مظلة المساعدات يدفع إلى اتساع الفجوة بين الاحتياجات الأساسية والموارد المتاحة للأسر التي فقدت مصادر دخلها بفعل الحرب وتدمير الأنشطة الاقتصادية".
وأضاف:" مع اعتماد نحو 95% من الأسر في غزة على المساعدات، فإن تقليص الدعم يهدد بتعميق انعدام الأمن الغذائي، ويدفع مزيدا من العائلات إلى تقليص استهلاكها أو الاستدانة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها".
وشدد على تجاوز التداعيات حدود انعدام الأمن الغذائي الذي وصل نسبته 67% إلى حركة الأسواق، مؤكدا أن تراجع المساعدات يضعف قدرة الأسر على الحصول على السلع الأساسية، فيما يؤدي انكماش الطلب إلى مزيد من الضغوط على التجار والأنشطة التجارية المتبقية، وهكذا، تدخل الأسواق في حلقة مفرغة تتمثل في فقر متزايد واستهلاك متراجع ونشاط اقتصادي أضعف، في ظل انهيار فرص العمل ومحدودية مصادر الدخل.
وأشار إلى أنه لا يمكن فصل هذه التطورات عن التحذيرات الأممية من تفاقم انعدام الأمن الغذائي إذا لم تتحسن الظروف الإنسانية والإمدادات، كما أن تكرار تقليص برامج الإغاثة بذريعة نقص التمويل، يثير تساؤلات بشأن استدامة الاستجابة الإنسانية في قطاع الذي يعتمد سكانه بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي.
ولفت إلى أنه في المقابل، لا تقتصر الأزمة على حجم المساعدات، وإنما تشمل كفاءة إدارتها وتنوعها ومدى مواءمتها للاحتياجات الفعلية، فالإغراق المتكرر للسوق بأصناف محدودة مثل الطحين والمعلبات، لا يعوض نقص الغذاء المتنوع والمتوازن.
وشدد على ضرورة ضمان تدفق المساعدات واستدامتها، وإعادة تفعيل دور وكالة "أونروا" وتحسين إدارة الإمدادات وتنوعها بما يضمن وصول الغذاء إلى مستحقيه ويحد من تفاقم الكارثة الإنسانية والاقتصادية في غزة.
تفاقم الجوع وسوء التغذية
بدوره، أعرب مركز حماية لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ واستنكاره لإعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص جزء من مساعداته بسبب نقص التمويل، مؤكدا أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية والأخلاقية تجاه الفلسطينيين في غزة.
وشدد المركز، في بيان صحفي، على أن "الغذاء ليس منحة مشروطة، ولا امتيازا قابلا للسحب والتعطيل والتأخير، بل هو حق إنساني أساسي لا يجوز المساس به أو إخضاعه لحسابات التمويل وأولويات المانحين".
وحذر من أن ترك نحو نصف مليون شخص دون مساعدات في ظل الأوضاع الإنسانية القائمة ينذر بتفاقم الجوع وسوء التغذية، ويهدد حياة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى والنازحين.
وجدد المركز تأكيده أن الحق في الغذاء الكافي يرتبط بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية والصحة، مشيرا إلى أن قواعد القانون الدولي الإنساني تلزم بحماية المدنيين وتيسير وصول الإغاثة وضمان حصول السكان على احتياجاتهم الأساسية، وتحظر تجويع المدنيين أسلوبا من أساليب الحرب.
وذكرت مصادر طبية فلسطينية أن حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023 ارتفعت إلى 74 ألفا و480 شهيدا و175 ألفا و539 مصابا حتى 19 أكتوبر 2026، وسط استمرار الحصار والقيود على دخول الاحتياجات الغذائية والدوائية والمستلزمات الإنسانية.







