وكالات - في ظل التدهور الحاد الذي أصاب المنظومة الصحية في قطاع غزة جراء الحرب، وما خلفه من أضرار واسعة بالمستشفيات والأقسام الطبية ونقص في الأدوية والمستلزمات، تبرز أهمية وصول الوفود الطبية المصرية لتقديم الخدمات العلاجية والجراحية للمرضى، والمساهمة في تخفيف معاناتهم وإنقاذ الحالات التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة.
ويمثل وصول وفد مصري متخصص في جراحة القلب المفتوح إلى مستشفى القدس التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني خطوة مهمة للمرضى الذين انتظروا شهورًا طويلة لإجراء عمليات منقذة للحياة، في ظل محدودية الإمكانات الطبية وصعوبة الحصول على العلاج التخصصي خارج القطاع.
ولا تقتصر أهمية هذه الجهود على إجراء العمليات الجراحية، بل تشمل أيضًا التعاون مع الطواقم الطبية الفلسطينية وتعزيز قدرتها على التعامل مع الحالات المعقدة، في وقت تواجه فيه المستشفيات تحديات متزايدة تتعلق بتوفير الأجهزة والمستلزمات الضرورية.
محمد أحمد جودة.. أكثر من عام في انتظار جراحة القلب
من بين المرضى الذين تجدد أملهم في العلاج، محمد أحمد جودة، البالغ من العمر 51 عامًا، والمقيم في مخيم الشاطئ، الذي انتظر أكثر من عام لإجراء عملية قلب مفتوح بعد تعذر علاج انسداد شرايين القلب بالقسطرة.
وبحسب ما رواه جودة لـ«الغد»، فإنه يعاني منذ عام وشهرين من انسداد في شرايين القلب، مصحوبًا بالتعب وضيق التنفس. وبعد توجهه إلى مستشفى القدس لإجراء قسطرة قلبية، لم تنجح المحاولة، وأبلغه الأطباء بحاجته إلى جراحة قلب مفتوح.
ومع تعذر إجراء العملية خلال الفترة الماضية بسبب الظروف الصحية الصعبة في القطاع، ظل جودة ينتظر تحديد موعد للجراحة، رغم حاجته إلى تدخل طبي عاجل.
وتجدد الأمل مؤخرًا بعدما تلقى اتصالًا من مستشفى القدس أُبلغ خلاله بوصول وفد طبي مصري متخصص. وبعد معاينته من قبل الفريق الطبي، تمت الموافقة على إجراء العملية له، ليبدأ الاستعداد لدخول غرفة العمليات.
وتعكس حالة جودة جانبًا من معاناة مرضى القلب في غزة، الذين لا يواجهون المرض وحده، بل يعانون أيضًا طول قوائم الانتظار ونقص الإمكانات وصعوبة الوصول إلى العلاج التخصصي في الوقت المناسب.
مستشفى القدس يعيد تشغيل خدمات القلب وسط نقص الإمكانات
من جانبه، أوضح المدير الطبي لمستشفى القدس التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الدكتور أنور الغرة، أن المستشفى تعرض لدمار واسع وحرائق خلال الحرب، قبل أن تبدأ جهود ترميمه وإعادة تجهيز أقسامه وفقًا للأولويات الطبية، وصولًا إلى الأقسام التخصصية والحساسة، ومنها قسم القسطرة القلبية.
وقال الغرة، في تصريحات لـ«الغد»، إن المستشفى تمكن، عقب إصلاح القسم، من إجراء أكثر من 1400 حالة قسطرة قلبية، مشيرًا إلى أن الفحوصات كشفت عن نحو 155 مريضًا يحتاجون إلى عمليات قلب مفتوح، ولا يمكن علاج حالاتهم باستخدام الدعامات وحدها.
وأوضح أن المستشفى نسق مع وزارة الصحة ومؤسسة «هيل باليستاين» لاستقدام وفد طبي مصري متخصص، برئاسة الدكتور إيهاب الشرقاوي، الأستاذ المساعد لجراحة القلب والصدر بكلية الطب في جامعة القاهرة «القصر العيني»، وبمشاركة طبيب التخدير الدكتور إسلام الدالي، بهدف إجراء العمليات للمرضى الذين تستدعي حالاتهم تدخلًا جراحيًا.
وأشار إلى أن مستشفى القدس يمتلك غرفتي عمليات مخصصتين لجراحة القلب، لكن نقص عدد من الأجهزة والمستلزمات يحد من قدرته على إجراء العمليات، ومن بينها جهاز قياس زمن تخثر الدم، إلى جانب صمامات القلب والخيوط الجراحية اللازمة.
وأضاف أن الوفد المصري سيعمل في القطاع لمدة أسبوعين، وهي مدة لا تكفي، بحسب تقديراته، لتلبية احتياجات أكثر من 200 مريض ينتظرون جراحات القلب المفتوح، ما يستدعي استمرار وصول الوفود الطبية المتخصصة وتوفير المستلزمات الضرورية.
ولفت الغرة إلى تشكيل لجنة طبية متخصصة لفرز الحالات وتحديد المرضى الأكثر احتياجًا إلى التدخل العاجل، وفق معايير طبية تهدف إلى ترتيب الأولويات واختيار الحالات الأعلى خطورة.
جراحات معقدة.. ومستلزمات طبية قد يتوقف عليها إنقاذ الحياة
بدوره، قال الدكتور إيهاب الشرقاوي، الأستاذ المساعد لجراحة القلب والصدر بكلية الطب في جامعة القاهرة «القصر العيني»، إن الوفد الطبي المصري وصل إلى قطاع غزة لتقديم خدمات جراحة القلب المفتوح بالتعاون مع الطواقم الطبية المحلية، التي أشاد بمستوى تدريبها والتزامها المهني.
وأوضح الشرقاوي، في تصريحات لـ«الغد»، أن إجراء هذه العمليات يواجه تحديات كبيرة بسبب النقص الحاد في المستلزمات الطبية الأساسية، بما يشمل الخيوط الجراحية وصمامات القلب والرقع الصناعية، فضلًا عن معدات البالون الأورطي المستخدمة في دعم الدورة الدموية لدى بعض المرضى ذوي الحالات الحرجة.
وأكد أن جراحات القلب المفتوح تتطلب منظومة متكاملة من الأدوات والتجهيزات، وأن غياب أي مستلزم حيوي قد يؤدي إلى تعذر إجراء العملية، مهما بلغت جاهزية الفريق الطبي.
وضرب مثالًا بنقص معدات البالون الأورطي، موضحًا أن عدم توافرها قد يحول دون إجراء جراحات لبعض المرضى الذين يعانون ضعفًا شديدًا في عضلة القلب، ويجبر الأطباء على تأجيل التدخل لحين توفير المعدات اللازمة.
ووجه الشرقاوي رسالة إلى المجتمع الدولي بضرورة تحييد الخدمات الطبية عن الصراعات، وضمان وصول المستلزمات والأجهزة الضرورية إلى مستشفيات غزة، محذرًا من مخاطر استمرار حرمان المرضى من العلاج التخصصي.
ووصف واقع خدمات القلب والقسطرة في القطاع بأنه يشبه «مدينة أشباح»، في إشارة إلى حجم الدمار والتراجع الذي أصاب هذه الخدمات، مؤكدًا ضرورة توفير الاحتياجات الطبية بصورة عاجلة لإنقاذ المرضى من مختلف الفئات العمرية.
المنظومة الصحية في غزة.. مستشفيات محدودة وقدرات متراجعة
لا تقتصر الأزمة على مرضى القلب، بل تمتد إلى مختلف قطاعات الرعاية الصحية، في ظل تضرر المستشفيات ومراكز الرعاية، وتعطل سيارات الإسعاف ووسائل النقل والإمداد، وتراجع قدرة المؤسسات الطبية على تقديم الخدمات.
ووفقًا للأرقام الواردة في المادة والمنسوبة إلى وزارة الصحة الفلسطينية والمكتب الإعلامي الحكومي، لا يعمل سوى 19 مستشفى بقدرات محدودة من أصل 38 مستشفى، فيما انخفضت القدرة السريرية إلى 2623 سريرًا، مقارنة بنحو 3412 سريرًا قبل الحرب.
وتشير البيانات إلى تعرض 96 مركزًا للرعاية الصحية للقصف أو التدمير أو الخروج عن الخدمة، واستهداف أكثر من 197 سيارة إسعاف، إلى جانب خروج نحو 80% من سيارات النقل من الخدمة، ومواجهة المركبات المتبقية صعوبات تشغيلية بسبب نقص الزيوت وقطع الغيار والإطارات.
كما تفيد الأرقام بخروج 70% من مولدات الكهرباء عن الخدمة نتيجة الاستهداف المباشر، بينما تعمل المولدات المتبقية في ظروف فنية وميكانيكية صعبة بسبب نقص مستلزمات الصيانة.
وتتحدث البيانات كذلك عن تسجيل 793 حادثة استهداف أو اعتداء طالت خدمات الرعاية الصحية، بما يشمل المرافق والمركبات والكوادر وسلاسل الإمداد.
وبحسب البيانات نفسها، انعدمت خدمات الرعاية الصحية والأجهزة الجراحية في محافظتي شمال غزة ورفح، الأمر الذي يزيد صعوبة حصول السكان على الرعاية الأساسية والتخصصية.
مرضى الأمراض المزمنة.. مخاطر تتفاقم مع انقطاع العلاج
تظهر تداعيات الأزمة الصحية بصورة أشد لدى مرضى الأمراض المزمنة، الذين يحتاجون إلى أدوية منتظمة ومتابعة طبية مستمرة، ولا تحتمل حالات كثير منهم الانقطاع الطويل عن العلاج.
ووفقًا للأرقام الواردة في المادة، فقد 43% من مرضى الكلى حياتهم خلال الحرب، فيما يواجه 676 مريضًا خطر الموت، في ظل اعتمادهم على 134 جهازًا لغسيل الكلى موزعة على ثلاثة مستشفيات فقط.
وتشير البيانات إلى أن 84 ألفًا و9 مرضى بالسكري، بينهم 2432 طفلًا، يعتمدون على الأنسولين الذي تفيد المادة بعدم توافره. كما يبلغ عدد مرضى ارتفاع ضغط الدم 130 ألفًا و543 مريضًا، مع تسجيل زيادة في أعدادهم خلال الحرب.
وفيما يتعلق بالإجلاء الطبي، تفيد الأرقام الواردة في المادة بوفاة 2027 مريضًا أثناء انتظار السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج، بينما ينتظر نحو 21 ألف مريض فرصة للعلاج خارج القطاع، بينهم 5803 أطفال و4800 مريض بالسرطان.
وتعكس هذه الأرقام حجم أزمة تتجاوز نقص الأسرّة والأدوية، لتطال قدرة المرضى على الحصول على العلاج في الوقت المناسب، وسط مخاوف من تحول الحالات القابلة للعلاج إلى مضاعفات خطيرة تهدد الحياة.
إنقاذ المرضى يتطلب استمرار الوفود وتوفير الإمدادات
يمثل وصول الوفد الطبي المصري إلى مستشفى القدس فرصة مهمة للمرضى الذين ينتظرون جراحات القلب المفتوح، لكنه لا يكفي وحده لمواجهة حجم الاحتياجات المتراكمة في قطاع غزة.
فاستمرار العمليات الجراحية يعتمد على توافر الأجهزة والمستلزمات، وقدرة المستشفيات على مواصلة العمل، واستمرار وصول الفرق الطبية المتخصصة، إلى جانب دعم الطواقم المحلية وتمكينها من تقديم الخدمات الضرورية.
وبينما يستعد محمد جودة لإجراء العملية التي انتظرها طويلًا، يبقى مرضى آخرون في انتظار دورهم، وسط منظومة صحية تضررت بنيتها التحتية وتراجعت قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
ولا تقتصر متطلبات التعافي الصحي على ترميم المباني وتجهيز غرف العمليات، بل تشمل تأمين الإمدادات الطبية بصورة مستدامة، وإدخال الأدوية والمعدات، وتسهيل الإجلاء الطبي للحالات التي يتعذر علاجها داخل القطاع.
فخلف كل رقم في قوائم الانتظار مريض ينتظر فرصة للعلاج، وخلف كل جهاز متعطل أو مستلزم مفقود حالة قد يتوقف إنقاذها على توافر الرعاية في الوقت المناسب، ما يجعل دعم القطاع الصحي وضمان وصول الإمدادات الطبية ضرورة إنسانية عاجلة.
موقع قناة الغد







