خاص مصدر - بعد مرور ثلاثة أعوام على زلزال السابع من أكتوبر 2023، لم تعد إسرائيل ذات الدولة التي كانت قادتها يتباهون بمنظوماتها الأمنية الاستباقية أو بإستراتيجيات "إدارة الصراع".
لقد فرضت الميدانيات واقعاً أمنياً وجغرافياً جديداً تجسد في إعادة تعريف شاملة لـ "العقيدة الأمنية الإسرائيلية"، متحوّلة من مبدأ "نقل المعركة لأرض الخصم وحسمها السريع" إلى عقيدة قائمة على الدمار الشامل والتغيير الديموغرافي والجغرافي القسري.
ومع استمرار الاحتلال العسكري المباشر لما يزيد عن ثلثي مساحة قطاع غزة، تتبدى في الأفق أزمة استراتيجية إسرائيلية مزدوجة: عجز عن تحقيق "النصر المطلق" المزعوم، ومواجهة ضغوط حلفاء غربيين يهرولون نحو تثبيت "خديعة حل الدولتين" خوفاً من الانزلاق إلى كابوس دولة الفصل العنصري الموحدة.
عقيدة "الدمار الشامل" وتلاشي وهم الردع الإسرائيلي
شهدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تحولاً خطيراً وإجرامياً غير مسبوق في تاريخ الصراع. فبعد أن كانت غزة تُصنف في التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلة كتهديد ثانوي يلي الخطر الإيراني، تحولت بعد السابع من أكتوبر إلى تهديد وجودي عاجل كشف عورة الاستعداد الجغرافي والأمني للاحتلال.
وفي هذا السياق، يوضح الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي، مصطفى إبراهيم، أن إسرائيل عمدت إلى هندسة عقيدة أمنية جديدة تقوم على التدمير المطلق واستكمال سياسة "قص العشب" بشكل أكثر دموية.
ويشير إبراهيم إلى أن الاحتلال ركز خلال الشهور الماضية على التصفية الممنهجة للقيادات العسكرية والسياسية لحركة حماس وكتائب القسام، بالتوازي مع فرض سيطرة عسكرية ميدانية على نحو 65% إلى 70% من مساحة القطاع.
ويؤكد إبراهيم أن هذا التحول لم يقتصر على البُعد العسكري، بل امتد إلى رسم جغرافيا جديدة عبر تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية والمناطق الزراعية شرق غزة ومحو مدينة رفح بالكامل لمنع أي إمكانية لإعادة بناء الأنفاق أو اختراق الحدود.
وعلى الرغم من حظر الطيران والاستباحة الجوية الكاملة لسماء القطاع حتى بعد تفاهمات وقف إطلاق النار، إلا أن هذه الإنجازات التكتيكية لم تُترجم إلى "نصر مطلق".
فالانتقادات العنيفة الصادرة من أركان المعارضة الإسرائيلية—وعلى رأسهم غادي آيزنكوت—تؤكد أن بنيامين نتنياهو يمارس خديعة كبرى على الشارع الإسرائيلي، حيث ما تزال الحركة قادرة على الإدارة الميدانية وتحدي القوة الإسرائيلية.
الشلل السياسي الداخلي ووحدة الأهداف الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين
على صعيد المشهد الداخلي، يعيش المجتمع الإسرائيلي انقساماً وسياسياً حاداً، لكنه انقسام محصور في مسألة "إدارة أدوات الحكم" وليس في التعامل مع الحقوق الفلسطينية.
ويرى مصطفى إبراهيم أن نتنياهو أعاد تشكيل المنظومة الأمنية والعسكرية لصالح بقائه السياسي؛ حيث أقال رئيس هيئة الأركان، وغير رئيس جهاز "الشاباك" وقادة الاستخبارات العسكرية للهروب من مسؤولية فشل السابع من أكتوبر واستبدالهم بشخصيات يدينون له بالولاء الشخصي.
ويجزم إبراهيم بأنه لا يوجد خلاف جوهري بين الائتلاف الحكومي والمعارضة الإسرائيلية حول رفض قيام دولة فلسطينية؛ فالخلاف محصور في "الوسائل" لا في "الأهداف".
ويردف بأن "البرامج الانتخابية لجميع الأحزاب الكبرى—بدءاً من ليبرمان الذي يطالب بنقل المسؤولية الأمنية في الضفة للأردن، مروراً بينيت المتمسك بضم المنطقة (C)، وصولاً إلى يائير جولان وآيزنكوت—تتبنى جميعها المقاربة الأمنية الصرفة وتتعامل مع غزة والضفة ككيانات معادية يجب تحجيمها، مما يعني أن المنظومة السياسية الإسرائيلية بأكملها أطبقت الخناق على أوهام تسوية "أوسلو"."
الاعترافات الغربية.. حماية لإسرائيل من "كابوس الأبارتهايد"
على الضفة الأخرى من الصراع، جاءت تحركات العواصم الغربية والمؤسسات القضائية الدولية لتسلط الضوء على تداعيات هذه الحرب على الصعيد الدولي.
وفي هذا الصدد، يقدم المحلل السياسي الفلسطيني ذو الفقار سويرجو قراءة تفكيكية للمواقف الغربية والأوروبية الأخيره، مؤكداً أنها لا تعبر عن "تحول استراتيجي أخلاقي"، بل هي قراءة براغماتية متأخرة تخشى من سقوط خيار "حل الدولتين" والذهاب القسري نحو واقع "الدولة الواحدة".
ويضيف سويرجو أن الغرب يدرك أن استمرار سياسات المحو الإسرائيلية سيجبر العالم على مواجهة نظام أبارتهايد جديد يعيد إنتاج التجربة العنصرية لجنوب أفريقيا، وهو ما تحاول العواصم الغربية تجنبه عبر موجة اعترافات متتالية بالدولة الفلسطينية لتثبيت ما وصفه بـ "خديعة حل الدولتين" لحماية إسرائيل من نفسها ومن العزلة الدولية.
وعن المسار القانوني، يؤكد سويرجو أن تحركات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تشكل مظلة قانونية استراتيجية لمواجهة الفاشية الإسرائيلية وتوفير غطاء للدول المناهضة للاحتلال.
ويشدد على أن غياب المحاسبة لمرتكبي جرائم الإبادة في غزة والضفة يجعل من المستحيل كبح جماح الحكومة المتطرفة أو منع إسقاط النظام القانوني الدولي برمته.
ختاماً، يعرج سويرجو على الحسابات الأمريكية الداخلية، مؤكداً أن الحرب على غزة فرضت نفسها كعامل استقطاب غير مسبوق في الانتخابات الأمريكية، حيث بات جيل الشباب الأمريكي ينظر لإسرائيل كدولة فصل عنصري.
هذا التحول الشعبي بات يهدد المشاريع الإقليمية لواشنطن، وعلى رأسها "الاتفاقات الإبراهيمية"، مما سيجبر الإدارة الأمريكية على إدخال تعديلات هيكلية على طريقة إدارتها لصراعات الشرق الأوسط تحت ضغط صندوق الاقتراع والتحولات الميدانية.
بعد ثلاث سنوات من الاتساع الدموي لحرب غزة، يقف المشهد أمام معادلة صفريّة: عقيدة أمنية إسرائيلية أصبحت أكثر شراسة وإجراماً لكنها أقل قدرة على تحقيق الحسم السياسي أو جلب الأمان؛ ومجتمع دولي يصارع الزمن لمنع انهيار النظام الإقليمي عبر الاعتراف بدولة فلسطينية منقوصة السيادة حمايةً لإسرائيل من سيناريو "الدولة الواحدة".
إن ما أفرزته الحرب أثبت بحتمية قاطعة أن العنف المفرط وتدمير الحجر لن يمحوا إرادة البقاء لدى الشعب الفلسطيني، وأن محاولات القفز عن الحقوق الوطنية لن تنتج إلا دوامات متجددة من الانفجار، أشد قسوة وأعمق أثراً.







