تل أبيب - اعتبر خبراء قانون إسرائيليون أن مرور سنوات على أحداث 7 أكتوبر سيجعل التحقيق الفعّال في الإخفاقات التي سبقت الهجوم أكثر صعوبة، حتى في حال تغير الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات المقبلة وتشكيل لجنة تحقيق رسمية.
ونقلت صحيفة هآرتس عن خبراء ومختصين في لجان التحقيق أن عامل الزمن قد يؤدي إلى تآكل ذاكرة الشهود، وفقدان وثائق وأدلة، ووفاة أو مغادرة شهود مركزيين، إضافة إلى احتمال تنسيق الإفادات بين الأشخاص الذين ستخضع أدوارهم للتحقيق.
وكانت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية، غالي بهاراف ميارا، قد حذرت في مذكرة قدمتها إلى المحكمة العليا في آب/أغسطس الماضي من الأضرار التي يسببها مرور الوقت منذ 7 أكتوبر. وفي الوقت نفسه، أكدت أن لجنة تحقيق رسمية هي الهيئة المستقلة والملائمة للتحقيق في الإخفاقات، لكنها أيدت تأجيل البت في تشكيلها إلى ما بعد تشكيل حكومة جديدة، في ظل اقتراب الانتخابات.
سوابق إسرائيلية تظهر أهمية عامل الزمن
وأشارت الصحيفة إلى أن لجان تحقيق رسمية سابقة تشكلت في إسرائيل خلال فترات زمنية أقصر بكثير من الفترة التي قد تفصل أحداث 7 أكتوبر عن أي لجنة مستقبلية.
فـ"لجنة أغرانات"، التي حققت في إخفاقات حرب عام 1973، شُكلت بعد نحو ثلاثة أسابيع من انتهاء الحرب، فيما تشكلت "لجنة كاهان" للتحقيق في دور إسرائيل في مجزرة صبرا وشاتيلا بعد نحو شهر ونصف الشهر من وقوعها. وأوصت لجنة كاهان آنذاك بإقالة وزير الأمن أريئيل شارون من منصبه، قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
وفي المقابل، شهدت إسرائيل تشكيل لجان تحقيق بعد سنوات طويلة من الأحداث التي تناولتها، من بينها لجنة شُكلت عام 1982 للتحقيق في اغتيال حاييم أرلوزوروف عام 1933، ولجنة شكلت عام 1995 للتحقيق في قضية اختفاء أطفال يهود من أصول يمنية خلال خمسينيات القرن الماضي.
وأظهرت هذه الحالات، بحسب "هآرتس"، أن الفاصل الزمني الطويل بين وقوع الأحداث وبدء التحقيق يمكن أن يشكل عقبة جدية أمام الوصول إلى الحقيقة، نتيجة إتلاف وثائق وسجلات، ووفاة شهود أساسيين. وفي قضية اغتيال أرلوزوروف، أشارت لجنة التحقيق إلى عدم تمكنها من تحديد هوية القاتل.
إجراءات قانونية قد تطيل عمل اللجنة
وقدّر خبراء قانون أنه إذا تشكلت لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، فقد تواجه منذ البداية إجراءات قانونية معقدة من جانب الشخصيات التي ستخضع للتحقيق، ومن بينها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
وبحسب التقديرات التي نقلتها الصحيفة، قد يمتنع نتنياهو عن تقديم قائمة شهود، كما قد لا يمثل محاموه أمام اللجنة، فيما يمكن أن تُقدَّم التماسات تتضمن ادعاءات قانونية مختلفة بهدف الطعن في إجراءات اللجنة أو إطالة عملها.
وقالت الباحثة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، دانا بلاندر، إن لجنة تحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر قد تتحول عمليًا إلى ما يشبه "محاكمة"، بالنظر إلى الطبيعة القانونية للإجراءات التي سترافق عملها، وإلى احتمال استعانة الشهود بمحامين.
وأوضحت أن الشهود الذين ستوجه إليهم اللجنة تحذيرات قد يطلبون جلسات استماع إضافية والحصول على المواد والدراسات التي اطلعت عليها اللجنة، بهدف ضمان حقوقهم والدفاع عن أنفسهم. لكنها أشارت إلى أن هذه الإجراءات يمكن أن تطيل عمل لجان التحقيق بصورة كبيرة وتزيد الصعوبات التي تواجهها في إنهاء مهمتها.
تآكل الذاكرة وفقدان الأدلة
وقال عضو لجنة تيركل التي حققت في سيطرة القوات الإسرائيلية على سفينة "مافي مرمرة"، أستاذ القانون ميغيل دويتش، إن صعوبة الوصول إلى الحقيقة تتزايد كلما ابتعد التحقيق زمنيًا عن أحداث 7 أكتوبر.
وأوضح دويتش أن مرور الوقت يؤدي بصورة طبيعية إلى تراجع دقة الذاكرة، كما يمكن أن يؤدي إلى فقدان وثائق وأدلة، فضلًا عن صعوبة الحصول على إفادات من شهود غادروا إسرائيل أو توفوا خلال الفترة الفاصلة.
وأشار كذلك إلى أن مرور الوقت قد يسهل على شهود غير الراغبين في التعاون القول إنهم لا يتذكرون تفاصيل معينة، كما يزيد صعوبة التمييز بين ما كان الشخص يعرفه أو يعتقده وقت وقوع الأحداث وبين المعلومات التي تلقاها لاحقًا.
من جانبه، قال المحامي أفيغدور كلاغسبلد، المتخصص في لجان التحقيق الرسمية، إن مرور الوقت يضر بالذاكرة ويؤدي إلى خلط بين المعلومات التي كانت متاحة للأفراد خلال الحدث وبين ما سمعوه أو قرأوه بعد ذلك.
وأضاف أن التأخير يمكن أن يضر أيضًا بإمكانية العثور على الوثائق والمواد المصورة والمسجلة والحفاظ عليها، فضلًا عن إتاحة الوقت أمام الشهود للتفكير في ما ينبغي قوله أو عدم قوله، وهو ما قد يؤثر في مصداقية الإفادات.
حجم المعلومات يفرض تحديًا جديدًا
وترى بلاندر أن لجنة تحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر ستواجه أيضًا تحديًا غير مسبوق يتعلق بالحجم الهائل للمعلومات والوثائق المتاحة في العصر الرقمي.
وقالت إن فرز هذه المواد سيتطلب موارد كبيرة وقرارات تنفيذية معقدة، مرجحة أن تكون هذه أول لجنة تحقيق إسرائيلية تستخدم الذكاء الاصطناعي في جزء من عملها، بالنظر إلى حجم البيانات التي سيتعين عليها تحليلها.
وفي الوقت نفسه، أشار كلاغسبلد إلى أن معظم المسؤولين الأمنيين الذين كانوا في مواقعهم يوم 7 أكتوبر لم يعودوا يشغلون المناصب نفسها، متوقعًا أن تتشكل لجنة التحقيق، في حال تشكيلها، بعد تغير الحكومة.
وقال إن تحميل المسؤولية الشخصية للمسؤولين السابقين قد يكون محدود الجدوى في ظل مغادرتهم مناصبهم، وقد يؤدي التركيز عليه إلى إطالة عمل اللجنة، داعيًا إلى التركيز بصورة أكبر على الإخفاقات النظامية وآليات المسؤولية، بهدف منع تكرار أحداث مشابهة مستقبلًا وتحسين أداء المؤسسات.
دعوات إلى التحقيق رغم الصعوبات
ورغم التحذيرات من الصعوبات التي قد تواجهها لجنة التحقيق، شددت بلاندر على أهمية تشكيل لجنة رسمية مستقلة ومهنية قادرة على فحص الإفادات والوثائق وإصدار تقرير يقدم صورة شاملة قدر الإمكان عن إخفاقات 7 أكتوبر.
وقالت إن تثبيت الوقائع يمثل أهمية في بناء رواية عامة مشتركة تستند إلى الأدلة، معتبرة أن التحقيق سيحتاج إلى وقت طويل، لكنه قد يساعد في تحويل آثار الأحداث التي ما زالت حاضرة إلى أساس لاستخلاص الدروس وتحديد المسؤوليات وتحسين الأنظمة.
وكانت قضية المسؤولية عن إخفاقات 7 أكتوبر قد بقيت موضع جدل سياسي وقانوني في إسرائيل، وسط تبادل الاتهامات بين مسؤولين سياسيين وأمنيين بشأن أسباب الفشل في منع الهجوم والتعامل معه. ويبرز الخلاف كذلك حول توقيت تشكيل لجنة التحقيق الرسمية، والجهة التي ينبغي أن تحدد نطاق عملها وصلاحياتها.







