تل أبيب - رصد تقرير حديث صادر عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب اتساع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، بالتزامن مع فوز مرشحين في الانتخابات التمهيدية يتبنون مواقف أكثر تشددًا تجاه السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وصنّف التقرير، الذي حمل عنوان «ثلاثة معسكرات، حزب واحد: الديمقراطيون ومستقبل السياسة الأميركية تجاه إسرائيل»، أعضاء الكونغرس الديمقراطيين والمرشحين الذين يتمتعون بفرص انتخابية في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر المقبلة، بالاستناد إلى مواقفهم من المساعدات العسكرية لإسرائيل، والخطاب الذي يستخدمونه عند الحديث عنها، إضافة إلى مصادر التمويل والتأييد السياسي لحملاتهم. وشملت قاعدة البيانات 259 عضوًا ديمقراطيًا حاليًا في الكونغرس، إلى جانب مرشحين ديمقراطيين في دوائر انتخابية آمنة ومتنافس عليها.
وخلص التقرير إلى وجود ثلاثة معسكرات رئيسية. ويضم الأول «التقدميين اليساريين»، وهم الأصغر حجمًا، ويعارضون المساعدات العسكرية لإسرائيل ويدعون إلى حظر تصدير الأسلحة إليها، فيما يستخدم بعض أعضائه توصيفات مثل «الإبادة الجماعية» و«الأبارتهايد» عند الحديث عن الحرب في غزة.
أما المعسكر الثاني، الذي أطلق عليه التقرير «التقدميين من التيار المركزي»، فهو أكبر حجمًا، ويدعم ربط المساعدات العسكرية وصفقات الأسلحة لإسرائيل بمعايير حقوق الإنسان والقانون، لكنه يتجنب في الغالب استخدام توصيفات مثل «الإبادة الجماعية» و«الأبارتهايد».
ويضم المعسكر الثالث «المؤسسة المؤيدة لإسرائيل»، التي تدافع عن استمرار التحالف الأميركي-الإسرائيلي والمساعدات العسكرية، مع توجيه انتقادات متزايدة إلى بعض السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
المساعدات والخطاب والتمويل
وبحسب التقرير، فإن تصنيف الديمقراطيين استند إلى ثلاثة مؤشرات أساسية. يتعلق الأول بموقف العضو أو المرشح من المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة لإسرائيل، ويتراوح بين الدعوة إلى وقف جميع المساعدات، والمطالبة بربطها بمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي، وصولًا إلى تأييد استمرارها دون شروط.
أما المؤشر الثاني فيتعلق باللغة المستخدمة في وصف السياسات الإسرائيلية في غزة، بدءًا من اتهام إسرائيل بارتكاب «إبادة جماعية» و«أبارتهايد»، مرورًا باستخدام تعبيرات شديدة الانتقاد مثل «التطهير العرقي» و«الفشل الأخلاقي»، وصولًا إلى الانتقادات المحدودة أو عدم توجيه انتقادات لإسرائيل.
ويرتبط المؤشر الثالث بمصادر التمويل والتأييد السياسي للحملات الانتخابية، إذ رصد التقرير صلات بمجموعات تقدمية أو مؤيدة للفلسطينيين، وبمنظمة «جي ستريت» ذات التوجه الليبرالي المؤيد لإسرائيل، إلى جانب «إيباك» و«التحالف الديمقراطي من أجل إسرائيل».
التقدميون اليساريون
وأشار التقرير إلى أن الانتصارات التي حققها مرشحون ينتقدون إسرائيل بشدة خلال الانتخابات التمهيدية أثارت نقاشًا واسعًا بشأن مدى التحول داخل الحزب الديمقراطي.
ومن أبرز هذه الانتصارات فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. ووفق التقرير، فإن السيد خاض حملته داعيًا إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، ومتهمًا إياها بارتكاب «إبادة جماعية» في غزة وممارسة «الأبارتهايد»، كما انتقد تمويل «إيباك» لحملة منافسه.
ويتوقع التقرير أن يزداد حجم هذا التيار بعد الانتخابات المقبلة، مع احتمال وصول عدد من المرشحين التقدميين إلى الكونغرس، من بينهم كريس راب، وميلات كيروس، وويليام لورنس، ودارياليزا أفيلا شيفالييه، وكلير فالديس، إلى جانب السيد في سباق مجلس الشيوخ.
ومع ذلك، يرى التقرير أن هذا المعسكر سيظل الأصغر بين المعسكرات الثلاثة، حتى مع تحقيقه مكاسب إضافية. ويقدر التقرير أن الزيادة المحتملة قد تصل إلى مقعدين في مجلس الشيوخ وأربعة إلى عشرة مقاعد في مجلس النواب.
التيار الوسطي يتجه نحو تشديد شروط المساعدات
في المقابل، يصف التقرير «التقدميين من التيار المركزي» بأنهم القوة الأكبر داخل الحزب فيما يتعلق بمواقف إسرائيل وفلسطين، ويشير إلى أن هذا التيار لا يدعو بالضرورة إلى قطع العلاقات مع إسرائيل، لكنه يطالب بتغيير شروط الدعم الأميركي لها.
ويضم هذا الاتجاه أعضاء يؤيدون تقييد المساعدات العسكرية أو مبيعات الأسلحة بناء على سجل إسرائيل في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي، مع استخدام خطاب شديد الانتقاد لبعض ممارساتها في غزة، دون تبني توصيفات «الإبادة الجماعية» و«الأبارتهايد» بالضرورة.
ويشير التقرير إلى أن هذا الاتجاه يمثل، بحسب تقديراته، المسار الأكثر أهمية في التحول داخل الحزب الديمقراطي، إذ تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في طبيعة المساعدات الأميركية لإسرائيل وشروط تقديمها.
المعسكر المؤيد لإسرائيل لا يزال كبيرًا
وفي المقابل، يقدر التقرير أن المعسكر المؤيد لإسرائيل لا يزال يضم قرابة 100 مقعد في مجلسي الكونغرس، وإن كان الجزء الأكبر منه موجودًا في مجلس النواب، بينما ينتمي سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ بوضوح إلى هذا الاتجاه.
ويضم هذا المعسكر، بحسب التقرير، شخصيات ديمقراطية بارزة تدافع عن استمرار المساعدات العسكرية والتعاون الأمني مع إسرائيل، مع دعم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين وانتقاد بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية والدعوة، في بعض الحالات، إلى حل الدولتين.
ويرى التقرير أن حجم هذا المعسكر قد يبقى قريبًا من مستواه الحالي بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، وإن كان من المتوقع أن تتراجع حصته نسبيًا مع زيادة عدد الديمقراطيين الذين يتبنون مواقف أكثر تشددًا بشأن شروط المساعدات.
مجموعات تقع بين المعسكرات
ورصد التقرير كذلك أعضاء ومرشحين لا يمكن وضعهم بصورة واضحة داخل أحد المعسكرات الثلاثة، وينقسمون إلى مجموعتين رئيسيتين.
وتضم المجموعة الأولى شخصيات تنتقد السياسات الإسرائيلية بشدة، لكنها لا تستخدم مصطلحي «الإبادة الجماعية» و«الأبارتهايد»، أو تستخدمهما دون الدعوة إلى حظر شامل للأسلحة. ويضم هذا التصنيف حاليًا ستة أعضاء، مع إمكانية ارتفاع العدد إلى 12 بعد الانتخابات.
أما المجموعة الثانية فتضم شخصيات كانت تاريخيًا من الداعمين القويين لإسرائيل، لكنها أيدت مؤخرًا إجراءات لتقييد بعض أشكال المساعدات، في محاولة، وفق التقرير، للتعبير عن القلق من السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. ويضم هذا التصنيف 27 عضوًا حاليًا، مع إمكانية ارتفاع العدد إلى 39 بعد الانتخابات.
توصيات إسرائيلية بالتعامل مع الحزب الديمقراطي
وخلص التقرير إلى أن العودة السريعة إلى مستوى التأييد شبه الإجماعي لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، كما كان قبل الحرب، تبدو غير مرجحة، لكنه رفض في الوقت نفسه الاستنتاج القائل إن غالبية الديمقراطيين باتوا معادين لإسرائيل أو يعارضون بصورة قاطعة التحالف الأميركي-الإسرائيلي.
وبناء على ذلك، أوصى التقرير إسرائيل بالحفاظ على هدف دعم الحزبين في واشنطن، بدل الاعتماد على حزب أو قيادة سياسية واحدة، معتبرًا أن طبيعة النظام السياسي الأميركي وتقارب نتائج الانتخابات واحتمالات تغير السيطرة على المؤسسات السياسية تجعل الحفاظ على العلاقات مع الحزبين مسألة مهمة بالنسبة للسياسة الإسرائيلية.
كما دعا التقرير إلى التعامل مع الانتقادات القادمة من التيار التقدمي عبر تحدي ما يصفه بـ«الادعاءات المبالغ فيها»، إلى جانب اتخاذ خطوات سياسية تتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ومعالجة المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الفلسطينيين.
ويقترح التقرير في الوقت نفسه تعزيز التواصل مع التيار التقدمي المركزي والمعسكر المؤيد لإسرائيل، بهدف الحفاظ على الدعم طويل الأمد للتحالف الأميركي-الإسرائيلي.
وبشأن اليسار التقدمي، يرى التقرير أنه لا توجد حاجة إلى فتح قنوات اتصال رسمية مع هذا المعسكر، لكنه يدعو إلى البحث عن قنوات غير رسمية مع بعض أعضائه، خصوصًا من لا يتبنون، وفق توصيف التقرير، موقفًا مبدئيًا رافضًا لإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي.
ويؤكد التقرير، في محصلته، أن التحول داخل الحزب الديمقراطي لا يعني انتقاله بمجمله إلى موقف معادٍ لإسرائيل، لكنه يعكس تغيرًا ملحوظًا في النقاش الداخلي حول المساعدات العسكرية والعلاقة مع إسرائيل، مع بروز تيار أوسع يطالب بإعادة النظر في شروط الدعم الأميركي والسياسات المرتبطة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.







