وكالات - رغم أن اليوم الأرضي يُقاس عادةً بـ24 ساعة، فإن سرعة دوران الأرض ليست ثابتة بصورة مطلقة، ولذلك يتغير طول اليوم بدرجات طفيفة يمكن للعلماء رصدها وقياسها.
وتظهر هذه التغيرات على مقاييس زمنية مختلفة، لكن الدراسة الجديدة ركزت على التغيرات متعددة العقود، التي يمكن أن تبلغ بضعة أجزاء من الألف من الثانية، وربطتها بتبادل الزخم الزاوي بين لب الأرض والوشاح.
وتشير النتائج إلى أن التغيرات في حركة الأجزاء العميقة من الكوكب يمكن أن تؤثر في سرعة دوران الأرض ككل، بما ينعكس على طول اليوم، رغم أن الفروق صغيرة للغاية ولا يمكن للإنسان ملاحظتها في حياته اليومية.
تبادل الزخم بين اللب والوشاح
يعرف العلماء منذ أكثر من ثلاثة عقود أن التغيرات متعددة العقود في طول اليوم ترتبط بالتفاعلات بين اللب والوشاح، لكن الآلية الدقيقة التي تنقل العزم الدوراني بينهما ظلت موضع بحث.
ويضم لب الأرض لباً داخلياً صلباً محاطاً بلب خارجي سائل، فيما يحيط بهما الوشاح الصخري. ويمكن للتغيرات في حركة هذه الأجزاء أن تؤثر في سرعة دوران الأرض من خلال تبادل الزخم الزاوي.
وتشير الدراسة إلى أن سجل التغيرات في طول اليوم بين عامي 1964 و2019 يمكن تفسيره بدرجة كبيرة من خلال التفاعلات بين اللب والوشاح، مع وجود أكثر من قوة تسهم في هذا التبادل.
الجاذبية تقود التغيرات متعددة العقود
في الدراسة المنشورة في مجلة «نيتشر» في 23 سبتمبر، طور هويفنغ تشانغ وماثيو دومبري، من جامعة ألبرتا الكندية، نموذجاً لدراسة كيفية تأثير القوى المختلفة في دوران الأرض.
واعتمد الباحثان، من بين أمور أخرى، على إعادة بناء زلزالية لتاريخ دوران اللب الداخلي، إلى جانب نماذج لحركة اللب المستخلصة من التغيرات في المجال المغناطيسي للأرض.
وخلص النموذج إلى أن عزم الدوران الجاذبي يبدو العامل المهيمن في تفسير التغيرات متعددة العقود في طول اليوم، بينما تعمل قوى أخرى في الاتجاه المعاكس، أبرزها العزم الكهرومغناطيسي والعزم الناتج عن التضاريس عند الحد الفاصل بين اللب والوشاح.
ويحدث عزم الدوران الجاذبي نتيجة التفاعل بين توزيع الكتلة غير المتجانس في الوشاح وشكل اللب الداخلي وحركته. ولا يدور اللب الداخلي بالضرورة بالسرعة نفسها التي يدور بها باقي الكوكب، ما يسمح بحدوث تغيرات في العلاقة الدورانية بين مكونات باطن الأرض.
«شد وجذب» في أعماق الكوكب
تصف نتائج الدراسة توازناً معقداً بين عدة عزوم دوران تعمل في اتجاهات مختلفة.
فاللب الداخلي يميل، بفعل الجاذبية، إلى إعادة الاصطفاف مع التوزيع غير المتجانس للكتلة في الوشاح. وفي المقابل، يمكن لحركة اللب الخارجي أن تدفع اللب الداخلي بعيداً عن هذا الاصطفاف، قبل أن تعمل الجاذبية تدريجياً على إعادته إليه.
وتعمل القوى الكهرومغناطيسية والقوى المرتبطة بالتضاريس عند الحد الفاصل بين اللب والوشاح على مقاومة التغيرات الناتجة عن العزم الجاذبي.
ويشير هذا التفاعل إلى ما يشبه «شدّاً وجذباً» جيولوجياً داخل الأرض، يمكن أن يؤدي اختلاف التوازن فيه إلى تغيرات طفيفة في سرعة دوران الكوكب، ومن ثم في طول اليوم.
اللب الداخلي يتغير ببطء
تشير نتائج النموذج أيضاً إلى أن اللب الداخلي قد يتعرض لتشوه لزج بطيء، وأن إعادة تشكيله يمكن أن تحدث على مدى بضع سنوات، وفقاً للمعلمات التي توصلت إليها الدراسة. كما تشير النتائج إلى أن اللب الداخلي منخفض اللزوجة نسبياً مقارنة بما كان يُفترض في بعض النماذج السابقة.
ويرى الباحثان أن فهم هذه العمليات لا يفسر فقط جانباً من التغيرات في طول اليوم، بل يمكن أن يقدم معلومات إضافية عن خصائص المواد والبنية والديناميات في المناطق الأعمق من الأرض.
ما الذي لا تفسره الدراسة؟
ولا تعني النتائج أن العزم الجاذبي يفسر جميع التغيرات في طول اليوم. فالدراسة ركزت أساساً على التغيرات متعددة العقود، بينما توجد تغيرات أقصر زمناً ترتبط بعوامل أخرى، مثل الغلاف الجوي والمحيطات وتأثيرات المد والجزر.
كما أوضح الباحثان أن القدرة على إعادة بناء تاريخ دوران اللب الداخلي وحركة اللب محدودة، وهو ما يفرض قيوداً على دقة تفسير التغيرات الأقصر زمنياً. وتشير الدراسة إلى أن التغيرات التي تمتد من نحو 10 إلى 30 عاماً قد تتطلب نماذج أكثر دقة للتفاعلات عند الحد الفاصل بين اللب والوشاح.
وتقدم الدراسة، في المجمل، نموذجاً يربط التغيرات الدقيقة في طول اليوم بالديناميات المعقدة في باطن الأرض، مع استمرار الحاجة إلى مزيد من البيانات والنماذج لفهم التفاعلات بين اللب والوشاح بصورة أكثر تفصيلاً.







