وكالات - تروي عالمة المحيطات إنغريد هونكالا، التي تحمل درجة الدكتوراه في العلوم البحرية وعملت في أبحاث مرتبطة بوكالة «ناسا» والبحرية الأميركية، أنها خاضت عدة تجارب اقتراب من الموت خلال مراحل مختلفة من حياتها، وأن هذه التجارب تركت أثراً عميقاً في نظرتها إلى الوعي والحياة والموت.
وبحسب روايتها، بدأت التجربة الأولى عندما كانت طفلة صغيرة في بوغوتا بكولومبيا، ثم خاضت تجربة أخرى بعد حادث دراجة نارية في منتصف العشرينات من عمرها، قبل أن تمر بتجربة ثالثة خلال عملية جراحية في مرحلة لاحقة من حياتها.
وتقول هونكالا إن الظروف اختلفت من تجربة إلى أخرى، لكن الإحساس الذي رافقها كان متشابهاً بصورة لافتة، إذ تصف انتقالها من الخوف أو الألم إلى حالة من السكينة، مع شعور بأن وعيها لم يعد مرتبطاً بجسدها بالطريقة المعتادة.
الغرق في الطفولة.. التجربة التي غيّرت حياتها
تقول هونكالا إن أولى تجاربها وقعت عندما كانت في الثانية من عمرها، بعدما سقطت في خزان مملوء بالمياه الباردة في منزل عائلتها في بوغوتا.
وبحسب روايتها، شعرت في البداية بالخوف وصعوبة التنفس، قبل أن يتغير إحساسها بصورة مفاجئة، ويتحول الخوف إلى حالة عميقة من الهدوء والسلام.
وتصف هونكالا التجربة بأنها لم تعد تشعر خلالها بأنها طفلة داخل جسدها، وإنما شعرت بما تصفه بأنه «وعي خالص»، مع إحساس بالضوء والارتباط بما يحيط بها.
وتقول إن الإحساس بالزمن والهوية الفردية تلاشى خلال تلك التجربة، وحل مكانه شعور بالاتصال الشامل والسكينة.
وتؤكد مصادر عن سيرتها الذاتية أنها تربط بداية اهتمامها بمفهوم الوعي وتجارب الاقتراب من الموت بحادث الغرق الذي تعرضت له في طفولتها.
رواية عن التواصل مع والدتها
من أكثر تفاصيل التجربة غرابة في رواية هونكالا قولها إنها، أثناء وجودها داخل الخزان، شعرت بأنها قادرة على إدراك وجود والدتها والتواصل معها رغم وجودها على مسافة من المنزل.
وبحسب روايتها، عادت والدتها إلى المنزل في ذلك الوقت، وعثرت عليها داخل الخزان وتمكنت من إنقاذها.
وتقول هونكالا إن هذه الحادثة كانت نقطة تحول في نظرتها إلى الموت، وإنها منذ ذلك الوقت لم تعد تنظر إليه بالطريقة نفسها التي ينظر بها معظم الناس إليه.
وتشير روايتها المنشورة إلى أنها كانت ترى في تجربة الغرق دليلاً شخصياً على وجود الوعي خارج حدود الجسد، وهي رؤية تبنتها لاحقاً في كتاباتها ومحاضراتها.
حادث الدراجة والتجربة الثانية
تقول هونكالا إن تجربة أخرى وقعت عندما كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، إثر حادث دراجة نارية.
وتروي أن الحادث شكّل نقطة تحول في حياتها، وأنها خلال تلك التجربة عادت إلى الإحساس نفسه الذي رافق حادث الغرق في طفولتها.
وفي حديث سابق، وصفت هونكالا حادث الدراجة بأنه وقع خلال فترة كانت تواجه فيها ظروفاً شخصية صعبة، وقالت إن التجربة دفعتها إلى إعادة النظر في مسار حياتها.
التجربة الثالثة حدثت أثناء عملية جراحية
أما التجربة الثالثة، فتقول هونكالا إنها حدثت أثناء خضوعها لعملية جراحية، عندما واجهت مشكلة مرتبطة بانخفاض ضغط الدم.
وتقول إن التجربة أعادت إليها الإحساس نفسه بالهدوء والانفصال عن الجسد، لكنها منحتها هذه المرة، بحسب روايتها، فهماً مختلفاً لطريقة نظرها إلى الحياة.
وتصف هونكالا هذه التجربة بأنها كانت الأكثر تأثيراً في حياتها، وتقول إنها ساعدتها على إدراك أهمية الاستفادة من الحياة بدلاً من الانشغال بالخوف من الموت.
ماذا تقول العلوم عن تجارب الاقتراب من الموت؟
تُعرف هذه الظاهرة علمياً باسم «تجارب الاقتراب من الموت» (NDE)، وهي تجارب شخصية يصف خلالها بعض الأشخاص حالات من الوعي غير المعتادة أثناء التعرض لخطر شديد أو أزمة صحية.
وتوجد تفسيرات علمية متعددة لهذه التجارب، بعضها يربطها بالتغيرات التي يمكن أن تحدث في الدماغ والجسم خلال حالات الإجهاد الشديد أو نقص الأكسجين أو تغيرات الدورة الدموية، بينما لا تُعد التجارب الشخصية بحد ذاتها دليلاً علمياً على استمرار الوعي بعد الموت.
أما هونكالا، فتتبنى تفسيراً مختلفاً، وترى أن تجربتها تشير إلى إمكانية وجود الوعي بصورة تتجاوز الجسد المادي. وهذه رؤية شخصية وروحية لا تمثل إجماعاً علمياً حول طبيعة تجارب الاقتراب من الموت.
من تجارب الموت إلى العمل العلمي
على الرغم من الطبيعة الروحية التي تضفيها هونكالا على تجاربها، فإن مسيرتها المهنية استمرت في المجال العلمي.
وتشير سيرتها المهنية إلى حصولها على درجة الدكتوراه في العلوم البحرية مع تخصص في علم المحيطات البيولوجي، كما عملت في مجالات تشمل التنبؤ بالمحيطات والسواحل، والبصريات الحيوية البحرية والاستشعار عن بُعد. كما تظهر سيرتها عملها في «ناسا» والبحرية الأميركية خلال مراحل مختلفة من مسيرتها.
وتقول هونكالا إن هذه التجارب لم تدفعها إلى الابتعاد عن العلوم، بل زادت اهتمامها بأسئلة الوعي وطبيعة الواقع، معتبرة أن العلم والتجارب الروحية يمكن أن يتناولا الأسئلة نفسها من زوايا مختلفة.
«الموت ليس نهاية».. كيف غيّرت التجارب نظرتها إلى الحياة؟
تقول هونكالا إن تجاربها جعلتها تنظر إلى الإنسان باعتباره أكثر من مجرد كيان مادي، وترى أن الوعي قد يكون جزءاً من واقع أوسع من التجربة الجسدية.
وتعتقد، وفقاً لروايتها الشخصية، أن الموت قد لا يمثل نهاية للوجود، وإنما مرحلة انتقالية في مسار أوسع للوعي.
وتواصل هونكالا اليوم الحديث عن تجاربها من خلال الكتب والمحاضرات واللقاءات، وتربط بين مسيرتها العلمية وتجاربها الشخصية في محاولة لفهم العلاقة بين الوعي والإنسان والحياة والموت. كما تصف مصادرها الحالية هذه التجارب بأنها جزء أساسي من رسالتها في الجمع بين العلم والتأمل الروحي.







