تل أبيب - قررت إسرائيل الرد على أي صواريخ أو شظايا إيرانية تصل إلى أراضيها، حتى في حال كانت موجهة أساسًا إلى أهداف أميركية في المنطقة، في ظل تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران وتزايد المخاوف الأمنية الإسرائيلية من انزلاق الوضع إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، مساء الأربعاء، جاء القرار بعد متابعة إسرائيلية مكثفة للهجمات الإيرانية الأخيرة على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، ولا سيما في الأردن، حيث أطلقت إيران، ليل الثلاثاء-الأربعاء، نحو 20 صاروخًا باتجاه أهداف أميركية داخل المملكة.
وشوهدت محاولات اعتراض لهذه الصواريخ في أجواء الأردن، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف قاعدة أميركية في المملكة.
وفي المقابل، نقلت شبكة «فوكس نيوز» عن مسؤول أميركي أن الهجوم لم يسفر عن إصابات في صفوف الجنود الأميركيين الموجودين هناك.
مخاوف إسرائيلية من تصعيد أوسع
وتنظر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى الهجمات الإيرانية الأخيرة باعتبارها مؤشرًا على ارتفاع حجم العمليات الإيرانية وجرأتها، في وقت ترى فيه أن سياسة الضغط الاقتصادي التي تنتهجها الإدارة الأميركية ضد طهران تدفع إلى احتكاكات شبه يومية بين الجانبين.
ونقلت القناة 12 عن مصادر أمنية إسرائيلية أن التطورات تحمل «احتمالًا للتصعيد»، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يحافظ على مستوى تأهب «مرتفع جدًا»، على المستويين الدفاعي والهجومي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وبحسب التقرير، فإن إسرائيل والولايات المتحدة مستعدتان، في حال اتخاذ قرار سياسي بذلك، لتنفيذ عمليات مشتركة، دون أن يقدم تفاصيل حول طبيعة هذه العمليات أو الظروف التي قد تقود إلى تنفيذها.
ويعكس القرار الإسرائيلي توسيع نطاق التعامل مع الهجمات الإيرانية، إذ لن يقتصر الرد، وفق ما أوردته القناة، على الصواريخ التي تستهدف إسرائيل مباشرة، وإنما قد يشمل أيضًا المقذوفات الإيرانية التي تنحرف أو تسقط داخل الأراضي الإسرائيلية أثناء استهداف مواقع أميركية في المنطقة.
الأردن يتحول إلى ساحة للمواجهة
ويأتي القرار الإسرائيلي بعدما تحولت الأردن خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى ساحات المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، مع تكرار استهداف قواعد أميركية داخل المملكة واتساع نطاق الأهداف التي تقول طهران إنها تستهدفها.
ويثير وجود قواعد ومنشآت عسكرية أميركية في المنطقة مخاوف من امتداد الهجمات الإيرانية إلى دول مجاورة، خصوصًا إذا استمرت العمليات الأميركية ضد إيران وردت طهران باستهداف القوات والمنشآت الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، ترى إسرائيل أن احتمال سقوط صواريخ أو شظايا داخل أراضيها يستدعي ردًا مباشرًا، بغض النظر عن الهدف الأصلي للهجوم الإيراني.
الحصار الأميركي يضغط على صادرات النفط الإيرانية
ويتزامن التصعيد العسكري مع مؤشرات على أن الحصار البحري الأميركي على صادرات النفط الإيرانية بدأ يفرض ضغوطًا متزايدة على قدرة طهران على تصدير الخام والحصول على العملات الأجنبية.
وبحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تتمكن إيران منذ منتصف تموز/يوليو من إخراج أي برميل نفط خام جديد عبر خط الحصار الأميركي، في حين تتراجع بسرعة كميات النفط التي كانت قد نجحت في نقلها سابقًا إلى ناقلات موجودة خارج منطقة الحصار.
وتشير هذه التطورات إلى أن القيود المفروضة على حركة النفط الإيرانية لا تقتصر على منع شحنات جديدة، وإنما بدأت تستنزف المخزونات التي تمكنت طهران من تخزينها أو نقلها إلى مواقع بعيدة عن نطاق الحصار.
مخزون النفط الإيراني على الناقلات يتراجع
ووفق بيانات شركة Kpler المتخصصة في تتبع حركة السفن، انخفض حجم النفط الإيراني المخزن على ناقلات خارج نطاق الحصار من نحو 90 مليون برميل في منتصف تموز/يوليو إلى قرابة 29 مليون برميل حاليًا.
ويعني ذلك أن المخزون العائم تراجع بنحو 61 مليون برميل خلال فترة قصيرة، وسط استمرار القيود الأميركية على حركة الصادرات الإيرانية.
وأشار تقرير «وول ستريت جورنال» إلى أن هذا المخزون لا يزال يمثل مصدر دخل لطهران، لكنه يتناقص بسرعة، وقد ينفد بحلول منتصف تشرين الأول/أكتوبر إذا استمرت وتيرة الاستهلاك والتصدير على حالها.
ويضع ذلك الحكومة الإيرانية أمام ضغوط متزايدة، خصوصًا في حال استمرار الحصار لفترة أطول وعدم تمكنها من استعادة قدرتها على تصدير كميات جديدة من النفط.
النفط يمثل مصدرًا رئيسيًا للدخل الإيراني
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، إذ تشكل عائدات النفط عادة نحو ثلث ميزانية الدولة، كما تمثل أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية التي تحتاج إليها طهران لتمويل الواردات ودعم العملة المحلية.
ويؤدي انخفاض تدفق العملات الأجنبية إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، بما في ذلك المواد الخام التي تعتمد عليها المصانع، وهو ما يمكن أن يفاقم الضغوط التضخمية ويزيد الضغط على الريال الإيراني.
وبالتالي، لا يقتصر تأثير الحصار الأميركي على قطاع الطاقة وحده، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد الإيراني على تمويل التجارة الخارجية والحفاظ على استقرار العملة والأسواق المحلية.
ضغط عسكري واقتصادي متزامن على طهران
وتأتي التطورات العسكرية والاقتصادية في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على أكثر من جبهة.
فعلى المستوى العسكري، تتواصل الهجمات المتبادلة، مع استهداف إيران مواقع أميركية في المنطقة، بينما تحافظ إسرائيل على حالة تأهب مرتفعة وتنسق مع واشنطن تحسبًا لتوسع المواجهة.
أما على المستوى الاقتصادي، فتواجه طهران ضغوطًا متزايدة على صادراتها النفطية، مع انخفاض مخزون الخام الموجود على الناقلات وتراجع قدرتها على إدخال شحنات جديدة إلى الأسواق.
وتزيد هذه المعادلة من حساسية المرحلة المقبلة، إذ إن استمرار الضغوط الاقتصادية بالتزامن مع التصعيد العسكري قد يدفع إلى مزيد من الاحتكاكات، خصوصًا إذا حاولت إيران توسيع نطاق استهدافها للقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة.
إسرائيل تستعد لسيناريوهات تصعيدية
ويشير رفع مستوى التأهب الإسرائيلي إلى أن تل أبيب تستعد لاحتمالات متعددة، من بينها سقوط مقذوفات إيرانية داخل أراضيها أثناء استهداف مواقع أميركية، أو انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر مباشرة.
وبحسب القناة 12، فإن التنسيق العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة مستمر، فيما تبقى إمكانية تنفيذ عمليات مشتركة مطروحة في حال صدور قرار سياسي بذلك.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ يتقاطع التصعيد العسكري مع ضغوط اقتصادية متزايدة على إيران، بينما تخشى إسرائيل من أن تؤدي الهجمات الإيرانية على القوات الأميركية إلى توسع دائرة المواجهة ووصول تداعياتها المباشرة إلى أراضيها.







