وكالات - تحولت القدرات السيبرانية الهجومية الإيرانية، على مدى السنوات الماضية، إلى إحدى أدوات الضغط التي تستخدمها طهران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، مع تزايد الاتهامات باستهداف البنية التحتية الحيوية والأنظمة المدنية.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنترست»، طورت إيران قدرات رقمية هجومية استهدفت أنظمة مرتبطة بالمياه والكهرباء في الولايات المتحدة وأوروبا، في عمليات يمكن أن تمتد آثارها إلى قطاعات مدنية حيوية، بعيداً عن ساحات المواجهة العسكرية التقليدية.
ويرى التقرير أن هذه الأنشطة لا تندرج فقط ضمن عمليات التجسس الإلكتروني، وإنما تشمل محاولات اختراق وتعطيل لأنظمة تشغيلية، بما يمنح طهران وسيلة للضغط على خصومها بتكلفة أقل مقارنة بالمواجهة العسكرية المباشرة.
أنظمة المياه في دائرة الاستهداف
ومن أبرز المجالات التي تركزت عليها الهجمات المنسوبة إلى جهات إيرانية أنظمة المياه والصرف الصحي، إذ شهدت منشآت أميركية محاولات اختراق طالت أنظمة التحكم والضغط.
وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، استهدفت هجمات إيرانية أنظمة مياه وصرف صحي في عدد من الولايات الأميركية، في وقت أطلقت فيه الجهات الأميركية تحذيرات متكررة من تهديد سيبراني وصفته بأنه مستمر.
كما أشار التقرير إلى أن البنية التحتية القديمة لأنظمة المياه الأميركية، إلى جانب الثغرات الأمنية الرقمية، تجعل بعض هذه المنشآت أهدافاً محتملة لهجمات منخفضة التكلفة مقارنة بحجم الأضرار التي يمكن أن تنتج عنها.
من سدود نيويورك إلى منشآت المياه
ولا تُعد الهجمات على أنظمة البنية التحتية نشاطاً جديداً بالنسبة إلى القراصنة الإيرانيين، إذ يشير التقرير إلى وقائع تعود إلى عام 2013، عندما ارتبطت عملية اختراق بسد في ولاية نيويورك بجهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وفي عام 2020، ظهرت اتهامات بمحاولات للتلاعب بأنظمة مرتبطة بمستويات الكلور في منشآت مياه إسرائيلية، قبل أن تتوالى لاحقاً عمليات اختراق استهدفت منشآت مياه أميركية.
كما أشار التقرير إلى واقعة أخرى تمثلت في اختراق قراصنة إيرانيين لأنظمة مرتبطة بمحطة كهرباء في بريطانيا، ما أدى، وفق الرواية الواردة فيه، إلى إخراجها من الخدمة لعدة أيام.
وتسلط هذه الوقائع الضوء على اتساع نطاق الأهداف المحتملة للهجمات السيبرانية الإيرانية، من مرافق المياه والصرف الصحي إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
واشنطن تفرض عقوبات على شبكات مرتبطة بإيران
في مواجهة هذه الأنشطة، كثفت الولايات المتحدة إجراءاتها ضد أفراد وكيانات متهمة بالمشاركة في عمليات القرصنة والهجمات الإلكترونية المرتبطة بإيران.
وبحسب التقرير، فرضت واشنطن عقوبات ضمن ما أطلق عليه «عملية المنبوذ الاقتصادي»، واستهدفت نحو 60 كياناً وفرداً وسفينة مرتبطة بالنظام الإيراني، من بينهم عناصر وجهات مرتبطة بوزارة الاستخبارات الإيرانية، على خلفية اتهامات بالتورط في اختراقات للبنية التحتية الأميركية وعمليات سرقة إلكترونية.
كما تحركت وزارة العدل الأميركية قضائياً ضد أعضاء في «معهد مبنا» الإيراني، في قضية تتعلق بسرقة بيانات من مئات الجامعات والشركات والوكالات الحكومية، بينها مؤسسات أميركية، لحساب الحرس الثوري وجهات أخرى مرتبطة بالنظام الإيراني.
الحرب السيبرانية كأداة للضغط
وتكتسب الهجمات السيبرانية أهمية خاصة بالنسبة إلى إيران باعتبارها وسيلة يمكن استخدامها للوصول إلى أهداف بعيدة جغرافياً عن مدى الصواريخ والأسلحة التقليدية.
وبحسب القراءة التي يقدمها التقرير، تتيح هذه القدرات لطهران ممارسة ضغط متزامن على الولايات المتحدة وحلفائها، من خلال استهداف منشآت حيوية في الداخل، بالتوازي مع أدوات عسكرية وأمنية أخرى في مناطق الصراع.
كما أشار التقرير إلى استهداف منشآت تحلية المياه في دول خليجية، من بينها البحرين والكويت، في سياق التصعيد الإقليمي الحالي.
رد أميركي يتجاوز العقوبات
ولا تقتصر الاستجابة الأميركية على العقوبات والإجراءات القضائية، إذ تتجه واشنطن، وفق التقرير، إلى توسيع الأدوات المتاحة لمواجهة التهديدات السيبرانية المرتبطة بإيران.
وتشمل الإجراءات السماح لشركات خاصة خاضعة للتدقيق بتنفيذ عمليات سيبرانية مضادة ضد منظمات إجرامية مرتبطة بإيران، في محاولة لرفع كلفة الهجمات والحد من قدرة الشبكات المعنية على مواصلة نشاطها.
ويعكس هذا التصعيد انتقال الصراع بين إيران والولايات المتحدة إلى مساحة تتجاوز العمليات العسكرية التقليدية، لتشمل أنظمة المياه والكهرباء والمؤسسات الحكومية والبنية التحتية الرقمية.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، تبدو الحرب السيبرانية مرشحة لأن تظل إحدى ساحات المواجهة الرئيسية، في ظل سعي كل طرف إلى تعطيل قدرات خصمه ورفع تكلفة أي تصعيد، من دون الانخراط بالضرورة في مواجهة عسكرية مباشرة.






