تل أبيب - أقرّ سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، بفشل إسرائيل في كبح أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون في الضفة الغربية، واصفًا هذه الاعتداءات بأنها شكل من أشكال "الإرهاب" و"وصمة" تلحق بصورة إسرائيل، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن بلاده لا تعتزم تغيير سياساتها الأمنية بسبب تراجع الدعم الأميركي لها.
وفي مقابلة أجراها مع صحيفة "هآرتس" على هامش المؤتمر السنوي للائتلاف اليهودي الجمهوري في لاس فيغاس، قال لايتر إن عنف المستوطنين "يجب إدانته وكبحه"، في موقف يتقاطع مع تصريحات سابقة للسفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن أعمال العنف في الضفة الغربية.
لايتر: مئات الشبان يقفون وراء العنف
وعزا لايتر أعمال العنف إلى ما بين 300 و400 شخص وصفهم بأنهم "شبان من الهامش"، وقال إن معظمهم يتعاطون المخدرات.
وأشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية عقدت ثلاثة اجتماعات لمناقشة القضية وخصصت نحو 100 مليون شيكل لمعالجتها، لكنه أقرّ بأن هذا المبلغ "بالتأكيد لا يكفي".
ولم يتضح، وفق التقرير، إلى أي ميزانيات كان السفير يشير تحديدًا، في حين أقرت الحكومة الإسرائيلية في أيار/مايو نحو 120 مليون شيكل لبرامج تعليمية واجتماعية مخصصة لشبان من المستوطنين خرجوا من الأطر التعليمية والاجتماعية.
وأكد لايتر أن الدافع الأساسي لوقف عنف المستوطنين لا ينبغي أن يكون تحسين صورة إسرائيل في العالم، وإنما لأن هذه الممارسات "خاطئة وغير قانونية وغير أخلاقية"، مضيفًا أنها تلقي في الوقت ذاته بظلال سلبية على سمعة الدولة ككل.
انتقاد لمصطلح "عنف المستوطنين"
ورغم إقراره بخطورة اعتداءات المستوطنين، قال لايتر إن العنف الفلسطيني ضد الإسرائيليين أكثر شيوعًا بكثير في الضفة الغربية، معتبرًا أن استخدام تعبير "عنف المستوطنين" على نحو عام يضر بسمعة نحو 600 ألف إسرائيلي يعيشون في المستوطنات.
وقال لايتر، الذي عاش سنوات طويلة في المستوطنات، إن تعميم المسؤولية على جميع المستوطنين أمر غير عادل، مستخدمًا تشبيهًا يتعلق بالجريمة والعرق للتعبير عن رفضه تحميل مجموعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها.
لا تنازلات أمنية لتحسين صورة إسرائيل
وفي ما يتعلق بالتراجع في مستوى الدعم الأميركي لإسرائيل، رفض لايتر فكرة أن يدفع ذلك الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في سياساتها.
وقال إن إسرائيل لا ينبغي أن تقدم "تنازلات بشأن الأمن لكي تبدو بصورة أفضل"، معتبرًا أن أي دولة تحترم نفسها لن تغيّر سياسة أمنها القومي بهدف تحسين صورتها الخارجية.
وأشار السفير إلى عدد من الملفات التي قال إن إسرائيل لا تستطيع تقديم تنازلات بشأنها، رغم ما قد تسببه سياساتها فيها من أضرار لصورتها الدولية، ومن بينها رفض إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب النشاط العسكري الإسرائيلي في لبنان وسورية وقطاع غزة وإيران.
وقال إن هذه الملفات تمثل، من وجهة نظر إسرائيل، احتياجات أساسية للأمن القومي، وإن الموقف منها لا يُتوقع أن يتغير حتى في حال حدوث تغيير في القيادة السياسية الإسرائيلية بعد الانتخابات المقبلة.
وأضاف أن إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر لن تقبل، بحسب تعبيره، بوجود جماعات جهادية على حدودها، معتبرًا أن هذا الموقف سيكون ثابتًا بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبل.
خلافات واشنطن وتل أبيب حول نزع سلاح حماس
وبشأن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة بقطاع غزة، قال لايتر إن الخلافات الأساسية بين واشنطن وتل أبيب تتركز في سرعة تنفيذ عملية نزع سلاح حماس.
وأوضح أن إسرائيل ترى ضرورة تنفيذ نزع السلاح "في أسرع وقت ممكن" وبعدد أقل من المراحل، مشيرًا إلى أن التفاهم داخل الإدارة الأميركية بشأن القضايا الأساسية المتعلقة بغزة وإسرائيل أقوى مما يبدو في العلن.
وفي حديثه عن الوضع الإنساني في القطاع، ذهب لايتر إلى نفي وقوع مجاعة أو إبادة جماعية في غزة، مستخدمًا تشبيهات دينية وتاريخية للدفاع عن الموقف الإسرائيلي.
الجدل حول المجاعة في غزة
واستند لايتر في حديثه إلى تقرير حديث لمنظمة اليونيسف أظهر، بحسب ما قال، أن معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في غزة منخفضة حاليًا وتبلغ نحو نصف بالمئة.
إلا أن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى أن تأخر النمو ومشكلات صحية أخرى لدى أطفال القطاع ترتبط بظروف المجاعة التي مر بها السكان خلال الفترة السابقة.
وكانت المجاعة في غزة قد بلغت ذروتها خلال الصيف الماضي، بعد منع إسرائيل دخول الغذاء إلى القطاع لمدة 78 يومًا. وفي نهاية آب/أغسطس، خلص تقرير صادر عن "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC)، وهي آلية تضم خبراء من الأمم المتحدة في قضايا الأمن الغذائي والمجاعة، إلى وجود مجاعة قاتلة في شمال القطاع.
وبعد ضغوط دولية على إسرائيل للسماح بإدخال كميات أكبر من المساعدات الغذائية، انخفضت أسعار المواد الغذائية في غزة بصورة حادة، وتراجعت حدة المجاعة.
ورفضت اليونيسف اعتبار نتائج دراستها الأخيرة تقويضًا لاستنتاجات IPC، موضحة أن الدراسة تعكس الظروف التي كانت قائمة في منتصف عام 2026 ولا يمكن استخدامها للحكم على الوضع الذي كان قائمًا قبل عام.
وأكدت المنظمة أن تحسن مؤشرات سوء التغذية يدل على أن الاستجابة الإنسانية ساهمت في تحسين الوضع، لكنها شددت على استمرار معاناة أعداد كبيرة من الأطفال من سوء التغذية وسوء التغذية المزمن.
خلافات داخل الحزب الجمهوري بشأن إسرائيل
وفي سياق حديثه عن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، قال لايتر إن تزايد الانتقادات لإسرائيل في الولايات المتحدة يعود بدرجة كبيرة إلى ما وصفه بـ"أكاذيب لا أساس لها"، معتبرًا أن دحض هذه الادعاءات يمثل تحديًا سياسيًا وإعلاميًا.
ويأتي ذلك في ظل وجود خلافات داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن السياسة الإسرائيلية، برزت بصورة خاصة في مواقف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي وجه انتقادات إلى بعض جوانب السياسة الإسرائيلية.
وكان فانس قد اتهم، في مقابلة أجريت في تموز/يوليو، جهات داخل الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي، بما قد يؤدي إلى عرقلة المساعي الدبلوماسية التي تقودها واشنطن مع إيران وإطالة أمد الحرب.
لايتر ينفي استهداف المفاوضات مع إيران
وردّ لايتر على هذه الانتقادات بالقول إن موقف فانس نجم عن سوء فهم يتعلق بالحملات المؤيدة لإسرائيل التي كانت تُدار داخل الولايات المتحدة.
وكانت "هآرتس" قد كشفت أن إسرائيل أبرمت اتفاقيات بملايين الدولارات مع شركات تعمل في مجال المحتوى والإعلام في الولايات المتحدة، بهدف تعزيز الرواية الإسرائيلية بشأن الحرب في غزة وإيران، وسط انتقادات لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على خلفية اتهامات بجرّ إدارة ترامب إلى مواجهة مع طهران.
لكن لايتر نفى أن تكون إسرائيل قد وجهت إلى المؤثرين الذين جرى التعاقد معهم تعليمات للعمل ضد المفاوضات الأميركية مع إيران أو الدفع باتجاه استئناف العمليات العسكرية.
وقال إن أحدًا لم يتلق تعليمات للعمل ضد مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية أو لتشجيع العودة إلى النشاط العسكري، معتبرًا أن هذا الملف كان وراء غضب فانس في مرحلة سابقة، قبل أن تتم، بحسب روايته، إزالة سوء الفهم وعودة العلاقات إلى "التفاهم المتبادل".
وأشاد لايتر بفانس، واصفًا إياه بأنه شريك مهم في المجال الدبلوماسي وفي الحفاظ على العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
توقع استمرار التحالف رغم الانتخابات الأميركية
وفي ختام حديثه، أعرب لايتر عن اعتقاده بأن الشراكة بين إسرائيل والولايات المتحدة ستستمر حتى في حال تمكن الديمقراطيين من انتزاع الأغلبية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ خلال انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر.
وقال إن التيارات اليسارية داخل الحزب الديمقراطي لن تتبنى إسرائيل، لكنه أضاف أن التيار الرئيسي في الحزب الديمقراطي لا يزال قائمًا.
وتكشف تصريحات لايتر في مجملها عن محاولة الموازنة بين الاعتراف بمشكلة عنف المستوطنين والتمسك بالمواقف الأمنية والسياسية الإسرائيلية، في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطًا متزايدة داخل الولايات المتحدة بشأن سياساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبشأن طبيعة علاقتها بإدارة ترامب ومستقبل الدعم الأميركي لها.







