سماح شاهين- مصدر الإخبارية
في غرفة صغيرة أسفل منزلها بحي الرمال وسط مدينة غزة، تقف هناء الزبدة (48 عامًا) أمام قدر كبير يغلي فيه اللبن، تراقب حرارته بعناية وتحركه بملعقة خشبية بحركات هادئة ومتكررة.
يتصاعد البخار من القدر، فيما تتصاعد معه حرارة المكان الضيق الذي تفتقر جدرانه إلى التهوية الكافية وبينما تنشغل هناء بإعداد اللبن والجبن، يحاصرها البعوض والذباب المنتشران في المكان، فتواصل عملها رغم الإرهاق والحرارة وضيق المساحة.
بعد ساعات من الوقوف أمام القدر، تبدأ بتعبئة منتجاتها في أوانٍ وأكياس بلاستيكية، وتزن الكميات بدقة قبل وضعها في الثلاجة وعلى العبوات يظهر اسم مشروعها: "الهنا للجبن والألبان".
بالنسبة إلى هناء، لم تعد هذه المنتجات مجرد مصدر دخل أو مشروع منزلي تحاول تطويره، فقد باتت وسيلتها الأساسية لإعالة أسرتها الممتدة، بعدما فقدت خلال الحرب زوجها وشقيقاتها وأزواجهن، لتجد نفسها مسؤولة عن رعاية ستة أسر تضم 11 فردًا من أبنائها وأبناء شقيقاتها.
بداية الحكاية
قبل الحرب، كانت حياة هناء مختلفة ففي عام 2021، بدأت خطواتها الأولى في صناعة الألبان والأجبان، مدفوعة بشغفها بالطهي ورغبتها في امتلاك مشروع خاص بها التحقت بدورات تدريبية متخصصة، وتعلمت طرق إعداد منتجات الألبان، قبل أن تبدأ بإنتاج كميات محدودة وبيعها داخل محيطها كانت بدايتها بسيطة، لكنها حملت بالنسبة إليها الكثير من الأمل.
تتذكر أول وجبة صنعتها للبيع، حين أخذ زوجها الراحل منتجاتها إلى محل البقالة الذي كان يملكه.
تقول هناء لـ"شبكة مصدر الإخبارية": "كانت التجربة الأولى مثالية تذوق زوجي وأقاربنا اللبن والجبن، وأعجبوا كثيرًا بالمذاق شجعني ذلك على بدء مشروع كانت أيامه هانئة وهادئة وناجحة".

كبر المشروع تدريجيًا، وأصبح مصدر دخل للأسرة، فيما كانت هناء تتطلع إلى توسيعه وتحويله إلى عمل أكثر استقرارًا لكن الحرب بددت ذلك الاستقرار.
ستة أشهر بلا عمل
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، خسرت هناء مشروعها ومعدات العمل، وانقطعت عن الإنتاج لنحو ستة أشهر.
لم تكن الخسارة مرتبطة بتدمير المعدات وحده، فحتى المواد التي تحتاجها لصناعة الألبان أصبحت شحيحة، وعلى رأسها الحليب، بينما انقطاع الكهرباء جعل حفظ المنتجات وتشغيل الثلاجات أكثر صعوبة.
تتابع: "كان أكثر ما يعيقني في بداية عودتي للعمل هو انقطاع المواد الخام، وأبرزها الحليب، فضلًا عن الانقطاع الكامل للكهرباء حتى الألواح الشمسية التي كنت أعتمد عليها لتشغيل الثلاجة قُصفت مرتين".
لكن ما فقدته هناء لم يقتصر على مشروعها خلال الحرب، استشهد زوجها، كما فقدت شقيقاتها وأزواجهن، لتتغير مسؤولياتها بصورة جذرية. فبعد أن كانت تعمل من أجل تحسين دخل أسرتها، أصبحت المعيلة الأساسية لأفراد عائلات عدة.
وتردف: "فقدت مكان العمل تمامًا، وها أنا أعود مجددًا، لكنني عدت مرغمة وسط بحر من الحزن والمسؤولية".
حين أصبح العمل ضرورة للبقاء
لم يكن الحزن وحده ما أثقل كاهل هناء فالمواد الخام التي تحتاجها لم تعد متوفرة بسهولة، والأسعار ارتفعت، فيما كانت قدرتها على الإنتاج محدودة.
وخلال عام 2024، ومع اشتداد أزمة الغذاء في قطاع غزة، اضطرت إلى التكيف مع ما هو متاح في الأسواق، فركزت على صناعة الجبنة الكريمي التي كانت مكوناتها أسهل نسبيًا في الحصول عليها.
ورغم ارتفاع الطلب عليها، ارتفعت تكلفة الإنتاج بصورة كبيرة، حتى تجاوز سعر كيلو الجبنة 100 شيكل في ظل شح المواد الخام وارتفاع أسعارها.
ومع ذلك، حاولت هناء الاستمرار لكن موجات القصف والنزوح تركت أثرها على قدرتها النفسية والجسدية على العمل.
تستذكر إحدى الفترات التي اشتد فيها القصف بالقرب من منزلها في حي الرمال، قائلة: "وصلتني طلبات كثيرة لصناعة الجبن والألبان، لكن حالتي النفسية السيئة وخوفي الشديد من حصار الآليات العسكرية لنا منعاني من النهوض لصنع أي شيء".
لاحقًا، عادت إلى صناعة اللبن فقط، لأنه كان أسهل في التحضير ولا يحتاج إلى التركيز نفسه الذي تتطلبه صناعة الجبن.
الأسرة تتحول إلى فريق عمل
كلما عادت هناء إلى العمل، كانت الحرب تضع أمامها اختبارًا جديدًا، لم تتوقف الخسائر عند فقدان الزوج والشقيقات، إذ أصيب زوج ابنتها خلال الحرب وبُترت ساقه، ما اضطره إلى استخدام كرسي متحرك، وأدى إلى توقف العمل لفترة لكن الأسرة عادت إلى المشروع من جديد.
اليوم، يعمل أفراد العائلة جنبًا إلى جنب ابنها فؤاد يساعدها في التصنيع، ومحمد يتولى توصيل الطلبات، فيما تشارك ابنتها نور في العمل، ويحاول زوج ابنتها تقديم ما يستطيع رغم إصابته.
وتردف هناء: "نقف في المطبخ كلنا معًا ولا نزال حتى اليوم، كل منا له مهمة محددة".
وبذلك تحول مشروع "الهنا للجبن والألبان" من عمل تديره هناء بمفردها إلى مصدر رزق تشارك فيه الأسرة بأكملها، في محاولة لتأمين احتياجات 11 فردًا يعتمدون عليها.

فرصة جديدة لإعادة البناء
بعد فترة من العمل بإمكانات محدودة، تقدمت هناء بطلب إلى الغرفة التجارية في غزة للحصول على دعم يساعدها على استعادة مشروعها حصلت بالفعل على معدات وأدوات ومواد خام، ما منحها فرصة للعودة إلى الإنتاج بصورة أفضل.
وتقول: "حصلت على دعم من الغرفة التجارية بغزة بأدوات ومعدات جديدة ومواد خام، ولذلك وسعت مشروعي أكثر كنت بحاجة ماسة لهذا الدعم، خصوصًا بعد خساراتي المادية الفادحة خلال الحرب".
وبعد حصولها على الدعم، خصصت غرفة صغيرة أسفل منزلها للعمل، بعيدًا عن مطبخ البيت، أملاً في زيادة الإنتاج وتنظيم عملية التصنيع.
لكن المكان الجديد، رغم أهميته بالنسبة إليها، لا يوفر ظروفًا مريحة للعمل فالغرفة ضيقة، والحرارة شديدة، والتهوية محدودة، بينما تنتشر الحشرات والبعوض والذباب.
تقول وهي تتحدث عن احتياجاتها المستقبلية: "أحتاج إلى أوانٍ كبيرة، وصوانٍ، ومصافٍ، وأكياس، وعلب، وميزان حرارة، وميزان للوزن، ومواد خام".
ثم تضيف بعد لحظة صمت: "وأحتاج إلى راحة بال، ومكان لا تغمره الحرارة الشديدة ولا الحشرات".
نظافة مضاعفة في مكان لا يساعدها
تفرض طبيعة عمل هناء عليها عناية خاصة بالنظافة، لكن ظروف الغرفة تجعل الأمر أكثر صعوبة، فمع انتشار الحشرات، تضطر إلى تعقيم الأدوات والأسطح باستمرار، خشية وصولها إلى المنتجات التي تعدها للبيع.
تقول: "بسبب الحشرات والبعوض والذباب الكثيف، أحرص على نظافة المكان أكثر أعقم كل شيء باستمرار يرهقني هذا، وأخاف من أن تطال الحشرات ما أصنع، لذلك أبذل جهدًا مضاعفًا للحفاظ على البيئة معقمة".
ورغم كل هذه الصعوبات، تواصل هناء عملها فالوقت الذي تقضيه أمام قدر اللبن يعني بالنسبة إليها أكثر من إنتاج كمية جديدة من الطعام.
نساء يحملن عبء الأسر بعد الحرب
وتأتي تجربة هناء في سياق أوسع من التغيرات التي طرأت على واقع النساء في قطاع غزة خلال الحرب.
فبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء في القطاع بنسبة 50% خلال الحرب، لتصل إلى 18% مقارنة بـ12% قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، في ظل فقدان عدد كبير من الرجال الذين كانوا يمثلون المعيل الأساسي لأسرهم.
كما تشير بيانات أممية إلى أن أكثر من 22 ألف امرأة فقدن أزواجهن وأصبحن أرامل.
وفي الوقت نفسه، لا تعكس نسبة مشاركة النساء في سوق العمل، البالغة نحو 17%، حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها النساء في القطاع، إذ وصلت البطالة بين النساء الناشطات اقتصاديًا في غزة إلى 92%، مقابل 81% بين الرجال.
وبالنسبة إلى هناء، لا تختصر هذه الأرقام قصتها، لكنها تفسر جزءًا من الواقع الذي دفعها إلى العودة للعمل رغم كل ما فقدته.
حلم لا يتوقف عند غرفة صغيرة
مع نهاية يوم العمل، تضع هناء عبوات اللبن وأكياس الجبن التي أعدتها في مكان مخصص، استعدادًا لإرسالها مع ابنها محمد إلى الزبائن.
تنظر إلى منتجاتها، ثم تتحدث عن المستقبل كما لو أن الحرب لم تستطع أن تنتزع منها قدرتها على الحلم.
تقول: "أطمح أن يكبر مشروعي أكثر، وأن أوسع المكان ليكون أكثر راحة لي، وأجلب معدات أكبر، ويصبح لدي أكبر مصنع لصناعة الجبن والألبان في غزة".
من غرفة صغيرة أسفل منزلها، تحاول هناء أن تبني شيئًا أكبر من مشروع منزلي، تحاول أن تستعيد مصدر دخل فقدته، وأن تؤمن احتياجات 11 فردًا أصبحوا في عهدتها، وأن تمنح أبناءها وعائلتها فرصة للاستمرار.

وبينما تواصل تحريك اللبن في القدر، لا تبدو حركتها مجرد جزء من عملية تصنيع الجبن والألبان؛ إنها حركة امرأة تحاول، وسط الفقد والحصار وانهيار الاقتصاد، أن تعيد ترتيب ما تبقى من حياتها قطعةً قطعة.







