سماح شاهين- مصدر الإخبارية
"بناخدش كاش".. جملة قصيرة باتت كفيلة بإرباك عملية شراء عادية في أحد أسواق قطاع غزة، حيث لم يعد حمل النقود الورقية في الجيب يعني بالضرورة القدرة على شراء الاحتياجات اليومية.
قد تكون الأوراق النقدية جديدة وسليمة وصالحة للتداول، لكن ذلك لم يعد كافيًا، بعدما بات بعض التجار يرفضون التعامل بالنقد، ويفضلون إتمام عمليات البيع من خلال التحويلات البنكية أو وسائل الدفع الإلكتروني.
ميس الحملاوي، التي تتقاضى راتبها نقدًا، تجد نفسها أمام صعوبة متزايدة في إنفاقه على احتياجاتها الأساسية وفي كل مرة تمد يدها بالنقود أمام أحد التجار، تواجه خيارين لا ثالث لهما البحث عن متجر آخر يقبل الدفع نقدًا، أو مغادرة المكان من دون شراء ما جاءت من أجله.
وتقول لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالأوراق النقدية القديمة أو المهترئة، التي بات بعض التجار يتحفظون على استلامها، بل امتدت لتشمل أوراقًا نقدية جديدة وسليمة، لا تضمن لصاحبها قبولها عند الشراء.
وتوضح الحملاوي أن امتلاك المال نقدًا لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامه، في ظل تغير طرق الدفع وانتشار التحويلات المالية بين التجار والمواطنين.
"المشكلة في حالات كثيرة، لم تعد في شكل النقود، بل في النقود نفسها"، تقول الحملاوي، في إشارة إلى حالة عدم الثقة التي باتت تحيط بالتعامل النقدي، وما تفرضه على المواطنين من بحث مستمر عن أماكن تقبل أموالهم.
وبين راتب يُسلّم نقدًا واحتياجات لا يمكن تأجيلها، يجد المواطن نفسه أمام معادلة جديدة في الأسواق: المال موجود، لكن الوصول به إلى السلع والخدمات لم يعد أمرًا مضمونًا.
الكاش عائقًا أمام شراء الاحتياجات
في الستين من عمرها، لا تملك الحاجة فايزة أبو سلطان سوى النقود الورقية لتدبير شؤونها اليومية، لا تستخدم تطبيقًا بنكيًا، ولا تعرف كيفية التعامل معه، كما أنها تخشى أن تخطئ في إجراء تحويل مالي قد لا تتمكن من استعادته.
لذلك، تحرص فايزة على الاحتفاظ دائمًا بفئات نقدية صغيرة في محفظتها، تكفيها لدفع أجرة المواصلات وشراء بعض الخضار والفاكهة والاحتياجات البسيطة لكن حتى هذه الطريقة التي اعتادت عليها لم تعد تضمن لها إتمام مشترياتها.
تقول فايزة لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن بعض الباعة يرفضون استلام النقود الورقية منها، ما يضعها في موقف محرج، ويرغمها أحيانًا على إعادة ما اختارته إلى مكانه ومغادرة السوق دون شراء.
وتضيف: "في أكثر من مرة كنت أريد شراء الفاكهة أو الخضار، لكن البائع رفض الكاش، فاضطررت إلى ترك ما أريده والبحث عن محل آخر".
بالنسبة لفايزة، لا يمثل الانتقال من الدفع النقدي إلى التحويلات الإلكترونية مجرد تغيير في أسلوب البيع والشراء، بل تحول إلى حاجز فعلي يحد من قدرتها على الوصول إلى احتياجاتها اليومية.
وتشترك فايزة في هذه المشكلة مع شريحة من المواطنين الذين يجدون أنفسهم خارج دائرة الدفع الإلكتروني؛ من كبار السن الذين لا يجيدون استخدام التطبيقات البنكية، ومن لا يمتلكون هواتف ذكية، إلى أشخاص يتقاضون دخولهم نقدًا أو لا يملكون حسابات مصرفية يمكنهم من خلالها استقبال التحويلات.
وفي الوقت الذي يواجه فيه هؤلاء صعوبة في استخدام أموالهم، يجد التجار أنفسهم أمام معضلة مختلفة، دفعت عددًا منهم إلى تفضيل التحويلات الإلكترونية على التعامل بالنقود الورقية، في ظل تحديات ترتبط بتداول "الكاش" وقبوله وإيداعه في الحسابات المصرفية.
تفضيل الدفع الإلكتروني
على بسطة صغيرة في سوق الشيخ رضوان، يحاول البائع عامر خلة تسيير يومه وسط تحديات لم تعد مرتبطة فقط بتوفير البضائع وأسعارها، بل امتدت إلى الطريقة التي يحصل بها على ثمن ما يبيعه.
بالنسبة إلى خلة، لم يكن التحول من التعامل بالنقود الورقية إلى الدفع الإلكتروني قرارًا مفاجئًا أو خيارًا اتخذه بحثًا عن وسيلة دفع أكثر حداثة، وإنما جاء تدريجيًا استجابة لمشكلة يومية باتت ترهق التجار والزبائن على حد سواء، وهي أزمة "الفكة".
يبيع خلة سلعة للزبون، وقد يكون المبلغ المطلوب أقل من القيمة التي يحملها المشتري، لكن المشكلة تبدأ عندما لا يتمكن من إعادة الباقي فالنقود المعدنية من الفئات الصغيرة أصبحت شحيحة في الأسواق، بينما يواجه التاجر مشكلة أخرى تتمثل في رفض بعض الزبائن استلام أوراق نقدية قديمة أو مهترئة كبديل عن الفئات المعدنية.
ويقول خلة لـ"مصدر الإخبارية" إن هذه التفاصيل الصغيرة تتكرر عشرات المرات خلال اليوم، وقد تتحول إلى عائق أمام إتمام عمليات البيع، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار بعض السلع وتفاوت المبالغ التي يدفعها الزبائن.
ويضيف: "التاجر قد يبيع سلعة، ثم يجد نفسه عاجزًا عن إعادة بضعة شواكل للزبون العملات المعدنية نادرة، فيما يرفض بعض الزبائن أخذ أوراق نقدية مهترئة بدلًا منها".
ومع تكرار هذه المواقف، وجد خلة في الدفع الإلكتروني وسيلة لتجاوز جزء من هذه المشكلة فبدل أن ينشغل بالبحث عن فئات صغيرة لإعادة المبلغ المتبقي، يستطيع تسجيل قيمة المشتريات وإتمام العملية بالمبلغ المحدد دون الحاجة إلى توفير "الفكة".
ويردف: "الدفع الإلكتروني ريّحنا من مشكلة الفكة. المبلغ بيوصل كما هو، وما في حاجة لأن أظل أبحث عن شواكل أو نصف شيكل حتى أعيد الباقي".
لكن بالنسبة إلى خلة، فإن الدفع الإلكتروني الذي خفف عنه مشكلة الفكة لم ينهِ المشكلات المرتبطة بالبيع والشراء، بل نقلها إلى جوانب أخرى تتعلق بالقيود المفروضة على المحافظ والتطبيقات المالية.
ويشير إلى أن استخدام هذه الوسائل لا يجري بصورة مفتوحة ودون سقوف، إذ تفرض بعض المحافظ والتطبيقات حدودًا على قيمة العمليات المالية التي يمكن تنفيذها يوميًا أو شهريًا.
ويتابع: "تفرض علينا التعامل بقيمة معينة، يوميًا وشهريًا، وهذا يجعلنا غير قادرين دائمًا على إجراء التحويلات التي نريدها، خصوصًا عندما تتراكم عمليات البيع والشراء".
وتصبح هذه القيود أكثر وضوحًا بالنسبة إلى أصحاب البسطات والتجار الذين يعتمدون على عدد كبير من العمليات الصغيرة والمتكررة خلال اليوم فمع كل عملية بيع، تتراكم المبالغ المحولة إلكترونيًا، وقد يصل التاجر إلى الحد المسموح به قبل انتهاء يومه أو الفترة المحددة، ليجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن وسيلة أخرى لإتمام معاملاته.
وبين مشكلة نقص الفئات النقدية الصغيرة من جهة، والقيود التي ترافق الدفع الإلكتروني من جهة أخرى، يجد تجار الأسواق أنفسهم أمام نظامين لا يخلو أي منهما من العقبات.
فالنقد الورقي يتيح الدفع المباشر، لكنه يعاني من أزمة "الفكة" ورفض بعض الفئات النقدية، بينما يوفر الدفع الإلكتروني دقة أكبر في المبلغ ويخفف الحاجة إلى النقود المعدنية، لكنه يبقى مرتبطًا بامتلاك حساب أو محفظة إلكترونية، إلى جانب القيود المفروضة على حجم وقيمة التحويلات.
وهكذا، لم يعد الجدل في أسواق غزة يدور فقط حول ما إذا كان التاجر سيقبل "الكاش" أو التحويل الإلكتروني، بل بات مرتبطًا بقدرة كل طرف على الوصول إلى وسيلة الدفع التي تناسب ظروفه فبين مواطن لا يملك سوى النقود الورقية، وتاجر يبحث عن طريقة لتجاوز أزمة الفكة، تتشكل في الأسواق يوميًا معادلة مالية جديدة تفرضها الظروف الاقتصادية والواقع المصرفي في القطاع.







