تل أبيب - أثارت إقالة اثنين من كبار المسؤولين في جهاز الموساد الإسرائيلي جدلًا وانتقادات داخلية واسعة، بعدما جرى ربط القرار بفشل خطة إسرائيلية أميركية هدفت إلى إحداث تغيير في النظام الإيراني، في وقت حذّر مسؤول سابق رفيع في الجهاز من أن تداعيات الخطوة قد تتجاوز مسألة المحاسبة على إخفاق عملياتي، لتطال أسس العمل المهني وآليات اتخاذ القرار داخل الموساد.
وأفادت هيئة البث العام الإسرائيلية "كان"، الجمعة، بأن رئيس الموساد رومان غوفمان قرر إنهاء مهام مسؤولين يشغل أحدهما منصب رئيس شعبة، فيما يشغل الآخر منصب رئيس قسم، على خلفية عدم تنفيذ الخطة المرتبطة بإيران بالشكل الذي كان مخططًا له.
وأثارت الإقالات، وفق التقرير، "عاصفة داخلية" في الجهاز، خصوصًا أن المسؤولين المقالين وصلا إلى موقعيهما القياديين بعد مسيرة طويلة داخل الموساد، وأن العملية التي ارتبط القرار بها كانت قد بدأت قبل توليهما منصبيهما.
مسؤول سابق: الإقالة تتجاوز المعايير المهنية
وقال مسؤول سابق رفيع في الموساد إن قرار الإقالة يتجاوز، بحسب تقديره، خطوطًا مهنية ظلت قائمة داخل الجهاز لسنوات، مؤكدًا أن المسؤولين المقالين لم يكونا صاحبي المسؤولية الرئيسية عن العملية التي استند إليها القرار.
وأوضح أن الموساد تلقى تكليفًا من المستوى السياسي بإعداد العملية باعتبارها جزءًا مكملًا للجهد العملياتي، مشيرًا إلى أن الخطة حظيت بموافقة المستويات المعنية داخل الجهاز، كما عُرضت على المستوى السياسي وجهات أخرى.
وأضاف أن العملية "لم تفشل" بالمعنى المباشر، وإنما لم تُنفذ بالكامل لأسباب متعددة، معتبرًا أن تصنيفها كإخفاق عملياتي، حتى لو تم اعتماده، لا يبرر بالضرورة إقالة مسؤولين بهذا المستوى.
وأكد المسؤول السابق أن المسؤولين المقالين كانا جزءًا من منظومة واسعة شاركت في إعداد وتوجيه العملية، وأن تحميلهما وحدهما مسؤوليتها لا يعكس حقيقة آلية العمل التي جرت داخل الجهاز.
مخاوف من تأثير القرار على حرية النقاش
ولم تقتصر انتقادات المسؤول السابق على مسألة الإقالات نفسها، إذ حذّر من انعكاساتها المحتملة على طبيعة النقاشات الداخلية داخل الموساد، ولا سيما قدرة المسؤولين والضباط على طرح مواقف مهنية مخالفة أثناء اجتماعات التخطيط واتخاذ القرار.
وقال إن ما يثير قلقه بصورة أكبر هو ما يمكن أن يحدث داخل الجهاز بعد هذه الخطوة، محذرًا من أن شعور المسؤولين بالخوف من التعبير عن آرائهم أو تقديم تقديرات مهنية مخالفة قد يضعف قدرة الموساد على اتخاذ قرارات دقيقة.
وشدد على أن قوة الجهاز تعتمد بدرجة كبيرة على أفراده وعلى حرية النقاش المهني بينهم، معتبرًا أن تقييد هذه المساحة من النقاش سيؤثر في قدرة الموساد على الاستفادة من مختلف الأدوات والخبرات المتاحة لديه.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يتواصل فيه النقاش داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول طريقة اتخاذ قرار إقالة المسؤولين، خصوصًا في ظل التقارير التي تشير إلى أن الخطة المرتبطة بإيران لم تكن مبادرة منفردة لهما، وإنما جاءت ضمن مسار أوسع شاركت فيه مستويات سياسية وأمنية متعددة.
خلافات حول أسباب الإقالة
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أفادت، الخميس، بأن غوفمان أقال اثنين من كبار مسؤولي الموساد على خلفية خطة مرتبطة بإحداث تغيير في النظام الإيراني، لم تنفذ على الأرض وفق التصور الذي أُعد لها.
وذكرت تقارير إسرائيلية أن أحد المسؤولين المقالين كان يترأس شعبة الاستخبارات في الموساد، بعدما تولى منصبه في كانون الأول/ديسمبر الماضي، فيما كان المسؤول الثاني يتولى ملف إيران داخل الجهاز.
في المقابل، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر أمنية أن الإقالتين لم تكونا بالضرورة نتيجة مباشرة لفشل العملية، مشيرة إلى وجود خلافات بين المسؤولين المقالين ورئيس الموساد منذ بداية عملهما، وأن إنهاء مهامهما تم في إطار إعادة هيكلة داخل الجهاز وبموافقة الطرفين.
غير أن هيئة البث الإسرائيلية شددت على أن العملية التي ارتبطت بالإقالات لم تكن مشروعًا خاصًا بالمسؤولين الاثنين، وإنما جرى إعدادها ودفعها عبر مستويات متعددة داخل الموساد وخارجه، وبمشاركة المستوى السياسي.
خطة مرتبطة بإيران
وتأتي القضية في سياق مساعٍ إسرائيلية وأميركية أوسع خلال الحرب الأخيرة لإحداث تغيير سياسي في إيران، وسط تقارير عن دور لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الدفع باتجاه هذه الخطط، بالتنسيق مع رئيس الموساد السابق دافيد برنياع ومسؤولين آخرين.
ويفتح قرار إقالة المسؤولين الباب أمام نقاش أوسع بشأن حدود المسؤولية داخل الأجهزة الاستخبارية عن العمليات التي لا تحقق أهدافها، خصوصًا عندما تكون الخطط نتاج قرارات مشتركة بين المستوى السياسي والقيادات الأمنية والاستخبارية.
كما يسلط الجدل الضوء على حساسية العلاقة بين المساءلة عن الإخفاقات العملياتية وبين الحفاظ على بيئة تسمح للمسؤولين الأمنيين بتقديم تقديرات مهنية مخالفة، وهي مسألة قد تكون ذات تأثير مباشر على عملية صنع القرار داخل الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية.







