دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري، بعدما أعلنت إيران، الجمعة، السماح بمرور مزيد من السفن عبر المضيق الإستراتيجي، لكن وفق “بروتوكولات قانونية” وضعتها قوات الحرس الثوري، في خطوة تؤكد تمسك طهران بإدارة حركة الملاحة في الممر البحري الأكثر حساسية للطاقة العالمية.
ويأتي هذا التطور في ظل استمرار تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والتي دفعت طهران خلال الأشهر الماضية إلى فرض قيود واسعة على حركة الملاحة في المضيق، ما تسبب باضطرابات حادة في أسواق النفط والغاز العالمية، ورفع أسعار الطاقة والشحن البحري بصورة غير مسبوقة.
وبحسب التلفزيون الرسمي الإيراني، فإن المزيد من السفن باتت تعبر المضيق “بالتنسيق مع القوات البحرية للحرس الثوري”، في مؤشر على قبول عدد متزايد من الدول بالشروط الإيرانية الجديدة لتنظيم العبور.
وكانت طهران قد سمحت، منذ الأربعاء، بمرور عشرات السفن الصينية، في خطوة تعكس عمق التنسيق بين بكين وطهران في مواجهة الضغوط الغربية.
ويُعد مضيق هرمز شريانا حيويا للتجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا، إضافة إلى كميات ضخمة من البضائع والأسمدة والشحنات التجارية، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديدا مباشرا للاقتصاد العالمي.
في المقابل، واصلت الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والعسكرية على إيران، حيث أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه لا يمانع تعليق إيران لبرنامجها النووي لمدة 20 عاما، شرط وجود “التزام حقيقي”، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة إعادة فتح المضيق بالكامل وضمان حرية الملاحة الدولية.
وكشف ترامب أن الرئيس الصيني أبدى دعما لعدم امتلاك إيران سلاحا نوويا، كما دعم فتح مضيق هرمز، في إشارة إلى أن ملف المضيق بات محل اهتمام وتنسيق بين القوى الدولية الكبرى، وليس مجرد نزاع إقليمي محدود.
ورغم إعلان ترامب سابقا رفضه الرد الإيراني على المقترحات الأميركية المتعلقة بإنهاء الحرب، فإن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد أن واشنطن عادت وأبلغت طهران استعدادها لمواصلة المحادثات، ما يشير إلى استمرار القنوات الدبلوماسية رغم التصعيد الإعلامي والعسكري المتبادل.
وفي السياق ذاته، عززت فرنسا حضورها العسكري في المنطقة، بعدما أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية وصول حاملة الطائرات “شارل ديغول” إلى بحر العرب، استعدادا لاحتمال المشاركة في مهمة تهدف إلى حماية الملاحة في مضيق هرمز.
وأكدت باريس أن مهمتها ستكون “دفاعية وغير هجومية”، وتركز على ضمان حرية الملاحة وفق القانون الدولي، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين حماية المصالح الغربية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ويبدو أن طهران تسعى من خلال إدارة المرور في مضيق هرمز إلى تحويل السيطرة البحرية إلى ورقة ضغط تفاوضية طويلة الأمد، خصوصا مع تعثر التفاهمات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية، بينما تحاول واشنطن وحلفاؤها فرض معادلة تعيد حرية الملاحة دون تقديم تنازلات استراتيجية كبيرة لإيران.
ومع استمرار الحشود العسكرية في الخليج، وتضارب الرسائل بين التهدئة والتصعيد، يبقى مضيق هرمز مرشحا للبقاء في قلب التوتر الدولي خلال المرحلة المقبلة، باعتباره نقطة الاختبار الأهم لموازين القوة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.