ماجد كيالي - كاتب ومحلل سياسي
على الرغم من الظروف الصعبة والمأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وقضيته الوطنية، فإن المؤتمر الذي تعقده حركة "فتح"، في رام الله وغزة وبيروت والقاهرة، وهو الثامن من نوعه في تاريخ تلك الحركة، يحظى باهتمام عال في مختلف الأوساط الفلسطينية، بالنظر لما تتمتع به هذه الحركة من رمزية في تاريخها، ومكانتها، وكونها القيادة للمنظمة والسلطة والحركة الوطنية الفلسطينية.
في تاريخها الطويل، أزيد من ستة عقود، كانت حركة "فتح"، عقدت سبعة مؤتمرات، الأول في الكويت 1962، والثاني والثالث والرابع في دمشق 1968، 1971، 1980، والخامس في تونس 1988، والسادس في بيت لحم 2009 والسابع في رام الله 2016، ونحن الآن إزاء المؤتمر الثامن 2026، وهو الثالث الذي يعقد في الداخل، بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية (1994).
ثمة عدة ملاحظات يمكن استنتاجها من الفقرة السابقة، أهمها:
أولا: انتظام مؤتمرات "فتح" في المراحل الأولى، أي إبان صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، وعدم انتظامها في المراحل التالية، أي إبان هبوطها وتحولها إلى التسوية والسلطة، إذ عقدت مؤتمرها السادس بعد 21 عامًا على التئام مؤتمرها الخامس، وعقدت مؤتمرها السابع بعد سبعة أعوام على مؤتمرها السادس، وها هي تعقد الآن مؤتمرها الثامن بعد عشرة أعوام على مؤتمرها السابع، ما يعكس ترهل بناها وجمود حياتها التنظيمية، وحراكاتها الداخلية، رغم أن نظامها الداخلي ينص على عقد المؤتمر كل خمسة أعوام.
ثانيا: يفيد ما تقدم بأن معظم الخيارات السياسية المصيرية التي انتهجتها قيادة هذه الحركة، بخاصة من موقعها في قيادة المنظمة والسلطة، لم تأخذ شرعيتها من الهيئة العليا أو التشريعية في الحركة، وهي المؤتمر العام، كما يفيد ذلك بأنها لم تأخذ حقها من النقاش في أطرها، وضمنها اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وهذا ينطبق على اتفاق أوسلو (1993)، وإقامة كيان السلطة في الضفة والقطاع، ما يفيد بافتقاد تلك الحركة لحياة سياسية طبيعية، ولتقاليد القيادة جماعية، وللروح المؤسسية.
ثالثا: يعني هذا أيضا، أن هذه الحركة عقدت ثلاثة مؤتمرات لها في الداخل (2009، 2016، 2026)، في حين عقدت خمسة مؤتمرات لها في الخارج.
رابعا: يتضح من كل ما تقدم، أن هذه الحركة تشتغل وفقا لمزاج قيادتها، أو قائدها العام، أو وفقا لما يراه مناسبًا، بحيث تبدو فتح بمثابة تنظيم يخضع للنظام الأبوي، أكثر منها حركة سياسية ديمقراطية، تستمد مواقفها من المنتسبين إليها، مع العلم أن هذه الحركة لم تنتظم في هيكلية حزبية، وهي ليست حزبا، كما أنها لم تتحول إلى جبهة، أي أنها تأخذ شكلًا عشوائيًّا، بين الحزب والجبهة بدون الانتظام في هيكلية معينة، علمًا بأن التنظيم، أي الأقاليم (وهيكليتها: المناطق والشعب والحلقات والخلايا) هي مجرد جهاز من أجهزة "فتح"، يشرف عليه مكتب التعبئة والتنظيم، مثله مثل أجهزة الإعلام والأمن والعلاقات الخارجية والمالية وقوات العاصفة وباقي الأجهزة الإدارية والخدمية التي لا تنتظم في هيكلية معينة، ولا تمارس حياة تنظيمية أو سياسية؛ وهذا ما سنفصله لاحقا.
رابعا: من تتبع مسيرة "فتح" يمكن ملاحظة أن القيادة، أو مجموعة في القيادة، هي التي تحتكر القرارات السياسية والتنظيمية والإدارية في فتح، وإن هذه الحركة تفتقد لبنية تنظيمية مؤسسية واضحة، إذ لم تتشكل كحزب، ولا كجبهة وطنية، بل باتت على شكل حركة غير واضحة المعالم، إذ لا أحد يعرف كيف يشتغل المجلس الثوري كهيئة قيادية، ولا باقي مفوضيات الحركة، وأيضا بدلالة طريقة التحضير للمؤتمر، وعدم الالتزام بعضوية المؤتمر، بحسب نص النظام الداخلي، بحيث تنتخب القيادة ناخبيها، من خلال تحديدها أعضاء المؤتمر.
وبديهي إن ما يفاقم من ذلك، أي تردي أهلية البنية التنظيمية للحركة، طول الفترة بين المؤتمر والآخر، سيما بعد الانتقال إلى الداخل، والتحول إلى سلطة، وأيضا بحكم غياب النقاش العام، وغياب مراكز صنع القرار، وهذا ينطلق على المنظمة والسلطة.
خامسا: بين مؤتمر وآخر، لا يوجد أي مراجعة نقدية، لا للخيارات السياسية، ولا للبني التنظيمية، ولا لأية أمور مسلكية، لذا تبدو المؤتمرات كمظاهرة للعرض، أو كمهرجان خطابي، يخلو من مناقشة الأفكار والقضايا والخيارات السياسية والتنظيمية، وضمنه كيفية مواجهة التحديات التي تمر بها فتح، والحركة الوطنية، والقضية الفلسطينية عموما.
هذه الملاحظات الأساسية ليست تسليفا، ولا مصادرة على المؤتمر، ولكن لنقل إنها محاولة لوضع النقاط على الحروب، والتنبيه إلى أن الشعب الفلسطيني بحاجة من "فتح"، بحسب دورها ومكانتها، أن تنظم مؤتمرًا تعبر فيه عن غنى وحيوية الفكر السياسي الفلسطيني، وأن تحاول فيه تقديم بعض الأجوبة اللازمة لاستنهاض الشعب، وتمكينه من استعادة زمام المبادرة في كفاحه الطويل والمديد والمكلف، في مواجهة المشروع الصهيوني، وفي إعادة بناء البيت الفلسطيني، فهل تكون "فتح"، وهل يكون مؤتمرها، على هذا القدر من المسؤولية؟