منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
بين الخيام المتلاصقة، وفي ظل واقعٍ أنهكه النزوح، تجلس الطفلة فاتن بابتسامة هادئة، كأنها تتمسّك بما تبقّى من طفولتها. لا تركض كغيرها من الأطفال، لكنها تنتظر—بصبرٍ صغير—لحظةً يخفّ فيها ثقل الواقع عنها، وتعود فيها طفولتها إلى ما يشبه الحياة التي تستحقها.
لم تكن السنوات الثماني من عمر فاتن المصري عادية؛ فقد تشكّلت ملامحها وسط تجربة قاسية، في جسدٍ يثقلُه المرض وتحديات الإعاقة منذ شهورها الأولى. تعاني فاتن من ضمور في الدماغ أثّر على حركتها، نتيجة ارتفاع شديد في الحرارة وهي بعمر شهرين، تبعه توقف في القلب ونقص في الأكسجين، لتبدأ منذ ذلك الحين رحلة طويلة مع العلاج.
وُلدت فاتن توأماً، غير أن مسارها اختلف مبكراً حين بدأت شقيقتها بالمشي، بينما بقيت هي عاجزة عن مجاراة النمو الحركي. وتستعيد والدتها تلك اللحظة بوصفها نقطة التحول الأولى، التي دفعت الأسرة إلى متابعة طبية مستمرة وسلسلة من الفحوصات.
ومع استمرار الواقع القاسي الذي خلّفته الحرب في قطاع غزة، ازدادت حالتها تعقيداً. لم تعد الإعاقة وحدها التحدي، بل تداخلت معها ظروف النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية. وتوضح والدتها أن النزوح المتكرر والعيش في الخيام، إلى جانب سوء التغذية وغياب البيئة الصحية المناسبة، انعكس سلباً على وضعها الصحي. كما أدى انقطاع جلسات العلاج الطبيعي—التي تحتاجها بشكل يومي—إلى تراجع ملحوظ في حالتها بعد أن كانت قد أحرزت تقدماً تدريجياً في وقت سابق.
ورغم ذلك، يبقى حلم فاتن بسيطاً: أن تتمكن من المشي. وبحسب والدتها، تعبّر الطفلة عن رغبتها في حياة طبيعية بعبارات بسيطة تحمل الكثير من الألم: “ ماما أريد أن أمشي… أريد أن أساعدك… أريد أن أكون مثل الآخرين أركض وألعب ”.
تحاول الأسرة توفير الحد الأدنى من الرعاية بما يتاح من إمكانيات، غير أن التحديات اليومية تفرض نفسها بقوة. فالتنقل بالكرسي المتحرك داخل واقعٍ تغلب عليه الرمال بين الخيام، والركام، والطرق المدمرة، يتحول إلى رحلة شاقة تفوق قدرة الطفلة وأسرتها، حيث تصبح أبسط حركة داخل المخيم أو خارجه مهمة مرهقة تتطلب جهداً كبيراً.
كما تزيد معاناتهم مع وسائل النقل، إذ إن توفرها لا يضمن سهولة الوصول؛ ففي كثير من الأحيان لا تتوقف المركبات عند رؤية الكرسي المتحرك، ما يضطر الأسرة إلى استكمال الطريق سيراً على الأقدام لمسافات طويلة للوصول إلى أقرب نقطة صحية، في رحلة علاجية تزداد صعوبة مع كل خطوة، وتُثقلها قسوة الواقع وانعدام التسهيلات.
على المستوى النفسي، تترك هذه الظروف أثراً عميقاً على الطفلة، خاصة حين ترى أطفالاً في عمرها يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وهو ما تحاول والدتها احتواءه عبر دعم مستمر وبثّ الأمل.
أما عن حالها كأم، فتختصره بإنهاكٍ دائم بين ضغط المسؤولية وشحّ الموارد، في ظل غياب الدعم وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، خصوصاً جلسات العلاج الطبيعي المنتظمة التي تفوق قدرة الأسرة بعد توقف مصدر الدخل نتيجة الحرب. وقد فاقمت الحرب الوضع ليصبح أكثر قسوة وتعقيداً، ما جعل تلبية أبسط متطلبات الرعاية تحدياً يومياً يثقل كاهل الأسرة ويضاعف من معاناتها.
وتناشد والدة فاتن توفير رعاية طبية متخصصة لابنتها من ذوي الإعاقة، تشمل جلسات العلاج الطبيعي والتأهيل المستمر، بما يساعدها على تحسين حالتها الصحية واستعادة قدرتها على الحركة تدريجياً، مؤكدة أن استمرار انقطاع العلاج يشكّل عائقاً كبيراً أمام أي تقدّم في وضعها.
وتختتم حديثها بأمنية واحدة لا تتغير: أن تُتاح لابنتها فرصة السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، بما يمنحها فرصة حقيقية للتحسن، وأن تتمكن يوماً من الوقوف والمشي، مهما طال الانتظار، في حال توفر رعاية طبية مستمرة ودعم علاجي فعّال.
في النهاية، فاتن ليست مجرد قصة فردية، بل صورة عن واقعٍ يعيشه آلاف الأطفال من ذوي الإعاقة، حيث يتقاطع المرض مع قسوة الظروف ليصنع معاناة يومية صامتة. وبين جسدٍ يثقلُه الألم وحلمٍ صغير بالحركة، تبقى خطواتها الغائبة انتظاراً لأملٍ قد يعيد إليها حقها في الحياة.