شبكة مصدر الاخبارية

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
الرئيسية فلسطينيو 48 شؤون إسرائيلية عربية وإقليمية اقتصاد تكنولوجيا تقارير خاصة رياضة منوعات إتصل بنا
الرئيسية أقلام الفلسطيني وأهلية الحُكم الذاتي

باسل جعرور .. كاتب وباحث سياسي

الفلسطيني وأهلية الحُكم الذاتي

02 ديسمبر 2025 05:27 م
Facebook X (Twitter) WhatsApp
باسل جعرور .. كاتب وباحث سياسي

باسل جعرور .. كاتب وباحث سياسي

لا يمكن اعتبار الجدل حول قدرة الفلسطيني على حكم نفسه أمراً مستجداً في مشوار النضال الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة، إلا أنه قد تحول بعد حرب 7 أكتوبر 2023 من مجرد نظرية سياسية إلى إطار تنفيذي تعمل داخله خطط دولية وإقليمية تنظر إلى غزة بشكل خاص بوصفها "منطقة تحتاج إلى وصاية" وليس جزءاً من كيان فلسطيني يمتلك حقاً طبيعياً في إدارة شؤونه.

ورغم أن هذه الأطروحات تتخفى خلف شعارات الاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أنها تقوم على افتراض أعمق يستند على رؤية إسرائيلية تفيد بأن الفلسطيني غير جاهز للحكم، وأن أي محاولة لاستعادة قراره يجب أن تمر عبر قوة خارجية تمنحه "الإذن" وتحدد له سقف صلاحيات!

لكن وبالنظر من زاوية معتدلة بعيداً عن المصالح والأطماع وشهوة التحكم بمصائر الشعوب، نجد أن هذا الافتراض ينهار حين نضع تجربة الفلسطيني في سياقها الكامل، فمنذ خروج أرض فلسطين من عباءة الحكم العثماني عام 1918، انتُزع الفلسطيني قسراً من أي إمكانية لنمو مؤسسات حكم مستقلة، وظل طوال قرن كامل يعيش داخل نماذج سياسية لم يخترها.

فبدءاً بوعد بلفور والانتداب البريطاني 1917، ثم النكبة واحتلال 77% من الأرض الفلسطينية عام 1948، وخضوع كلاً من الضفة وغزة والقدس لإدارات خارجية، ثم هزيمة عربية أخرى واحتلال مباشر لما تبقى من أرض فلسطين بعد نكسة 1967، جميعها محطات كان الفلسطيني فيها مجرد إطار هامشي مفرّغ من الوزن والاعتبار بالنسبة للقوى المتصارعة.

وحتى عندما حصلنا على أول تجربة حكم ذاتي بعد اتفاق أوسلو 1993، فقد مُنحت بقالب سلطة شكلية بلا سيادة فعلية على أرض الواقع، تعمل بشكل شبه كامل داخل نظام تحكمه القيود الخارجية، وبوظيفة أقرب لإدارة السكان وليس إدارة دولة قائمة بمؤسساتها على الأرض، لكن ذلك لا يمنع الاعتراف بحقيقة أنها وفرت جهاز إداري وأمني واقتصادي استطاع -إلى حدٍ ما ورغم كل العطب البنيوي- أن يحاكي تجربة دولة ناشئة تحكم شعبها في بيئة غير قابلة للحياة السياسية.

ومع الدخول في مرحلة الانقسام عام 2007، وتحول الحكم إلى سيطرة نموذجين متوازيين في كلٍ من الضفة وغزة، يتصارعان أغلب الوقت، ويتعايشان "اضطرارياً" في بعض الأحيان، ويحتكمان لاختلاف جوهري في الأيديولوجيا والمسار.. حتى وصلنا إلى برنامج سياسي متشظي لكل منهما، اندثرت معه ما تبقى من ملامح مشروع وطني موحد.

فنموذج حكم حركة حماس في غزة اختار حمل عبء تبني شعار العسكرة، متكفلاً بإجبار الشعب في غزة دفع الثمن بالعيش سنوات طويلة تحت وطأة حصار خانق وقحط شديد في مقومات الحياة، تخلله عديد الحروب وجولات التصعيد العسكري من قِبل الاحتلال الإسرائيل، وآخر في الضفة يستند إلى شرعية دولية مشروطة، وسيادة غائبة فعلياً على أرض الواقع، بفعل السيطرة الأمنية الإسرائيلية والإجراءات أحادية الجانب المقوضة لفرص تطبيق حل الدولتين بفرض سياسات عزل المناطق ونشر الحواجز العسكرية، والتوسع في مشاريع جدار الفصل العنصري والاستيطان.

كلا النموذجين خلقا بيئة سياسية مُنهكة، لا تقترب من مفهوم الدولة، ولا ترقى لأن تكون حركة تحرر، بل هي أقرب إلى حالة "إدارة مأزومة ومتناحرة" أدت بالضرورة إلى نتيجة حتمية مفادها قطع الطريق على أي فرصة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ومنع ولادة نظام موحِد لشطري الوطن، وشكّلا مادة سياسية دسمة تحقق فيها الطموح الإسرائيلي المتطرف، بتقديم إثبات عملي لفكرة "عدم أهلية الفلسطيني للحكم".

لكن تمحيص الواقع بعين الفحص الدقيق المجرد، يقود إلى حقيقة أن الخلل لا ينبع من نقص ذاتي، وإنما في بنية نظام محاصر من الخارج ومُقيد من الداخل، فالمجتمع نفسه رغم التهشيم والضغوط يحتفظ بكفاءة عالية على التكيف والتنظيم، بينما تتآكل هذه الميزة داخل نظام سياسي لا يوفر الثقة ولا العدالة ولا الاستقرار، فالواقع في الأراض الفلسطينية لا يمثل بأي حال دولة بمفهومها المتعارف عليه، بل مجرد "تجربة حكم منقوصة" أنتجت سلوكاً مضطرباً لا يمكن تفاديه مهما بلغت قوة الفرد نفسه.

ولعل رؤية الدليل الأكثر وضوحاً تتأتى حين ننظر إلى الفلسطيني خارج حدود جغرافيته الضيقة، فالفلسطيني المغترب، في الخليج وأوروبا والأميركيتين، يقدم صورة مختلفة تماماً عن تلك الضائعة داخل نظام الفوضى الذي يحكم أرضه، فتجده خارج حدوده منضبط السلوك ملتزم بالقوانين، ونخبة تعليمية ومهنية تمتد من الجامعات إلى كبرى الشركات، تُظهر قدرات فذة على الاندماج المؤسسي، والحديث هنا ليس عن حالات فردية واستثناءات، بل إنه السياق العام للفرد الفلسطيني نفسه عندما يكون في بيئة استقرار ونظام دولة حقيقي قائم على الكفاءة لا الولاء الحزبي والمحسوبية الاجتماعية.

وهذا يعيدنا إلى السؤال المركزي: أين تكمن مشكلة الحكم الذاتي؟

والجواب الصحيح أن المشكلة ليست في الإنسان نفسه، بل في البنية التي تمت هندستها بالأساس بأيدي منظومة استعمارية رعت للاحتلال الإسرائيلي، ورسمت واقعاً يمنع تحقق أي مستوى من السيادة الفلسطينية على الأرض، ويقتل فكرة بناء مؤسسات دولة حقيقية، عبر ربط الدعم الدولي واستقرار الحكم بشروط سياسية واقتصادية، وأبقت السلطة الوطنية رهينة لمعادلات التمويل، التي قادتها نحو مزيد من التبعية ومصادرة القرار المستقل.

وبعد أن جاء الانقسام بزيادة في مستوى تبعية القرار الفلسطيني، ليؤكد على اختلاف المرجع بين قطبيه، وضياع الهدف من مشروع وطني إلى سعي لترسيخ سلطة فردية يحيط بها مجموعة من المنتفعين المتصارعين على ورث حُكم قطع الاستيطان أوصاله في الضفة، وآخر ارتضى الانصياع  خلف قوى ومشاريع إقليمية مسحوراُ بفانتازيا الشعار حتى أسقط غزة في كارثة السابع من أكتوبر، مستدرجاً حرب إبادة ابتلعت 70 ألف شهيد، و57% من مساحة القطاع وفق ما يعرف المنطقة داخل الخط الأصفر الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

ورغم عمق المأزق على الأصعدة الوطنية كافة، إلا أن هوامش المناورة تبقى موجودة وإن ضاقت، والحركة فيها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لا تتطلب قوى خارقة ومعجزات من عالم ما وراء الطبيعة، بل أدوات مختلفة لا تكرر أخطاء الماضي، وجهود تبذل ليس في حرب الخصومة والولاء أو الانتصاراً لأيديولوجيا أو حزب على حساي الآحر، بل لتفعيل بطاقة الدولة وشق مسار حقيقي للوصول إليها.

إن هذا ليس طموحاً رومانسياً لشاب حالم، بل حقيقة قابلة للتطبيق، مفتاحها نظام وظيفي مبني على الكفاءة خاضعة لمعايير أداء واضحة، تبني شرعيتها على القدرة لا الخطاب، ويتجسد داخلها تمثيل إئتلافي يعبّر عن مكونات الشعب كافة، يركن صراعات الأيديولوجيا ويعيد تعريف الهدف والمسار إليه بنظرة واقعية تفحص الممكن وتستخدم أدواته المتاحة لإصلاح سياسي واجتماعي برؤية وطنية متجردة من أي ارتباط، تستطيع إقناع شعبها واستعادة ثقته، وتوجيه الطاقة المجتمعية نحو حماية المشروع الوطني بدلاً من إهدارها في مناكفات فوضى الانقسام.

وحين ننجح في تقديم نموذج لنظام بهذه المواصفات، تصبح "أهلية الحكم" حقيقة راسخة غير قابلة للإنكار، تعيد بناء السياق السياسي بما يليق بشعب أثبت دوماً قدرته على النهوض والابتكار، فالحق المشروع في تقرير المصير لا يتجسد واقعاً إلا عندما يخط الفلسطيني مستقبله بيده داخل نظام يحرر طاقته بدلاً من قمعها.

Facebook X (Twitter) WhatsApp
الحكم الذاتي الوصاية على غزة الوصاية الدولية خطة ترامب حكم الفلسطينيين

آخر الاخبار

فيديو: نيجيريا تُقصي الجزائر وتبلغ نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية في المغرب

فيديو: نيجيريا تُقصي الجزائر وتبلغ نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية في المغرب

مقل شاب إثر تعرضه لجريمة إطلاق نار في أم الفحم

مقل شاب إثر تعرضه لجريمة إطلاق نار في أم الفحم

لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة تدين اعتقال السلطة أسيرين محررين

لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة تدين اعتقال السلطة أسيرين محررين

سلطات الاحتلال تجدد أوامر الاعتقال الإداري لـ79 معتقلا

سلطات الاحتلال تجدد أوامر الاعتقال الإداري لـ79 معتقلا

الأكثر قراءة

1

ما هو تفسير حلم الإجهاض للمتزوجة غير الحامل؟

2

هذا تفسير حلم سقوط سن واحد علوي في المنام

3

ما هو تفسير رؤية ترك العمل في الحلم؟

4

بث مباشر: منتخب فلسطين يواجه كتالونيا ودياً وسط تضامن واسع في إسبانيا مع القضية الفلسطينية

تابعنا على فيسبوك

المقالات المرتبطة

إيران على صفيح ساخن: احتجاجات المعيشة وصراع الداخل والخارج

إيران على صفيح ساخن: احتجاجات المعيشة وصراع الداخل والخارج

زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أرض الصومال: تمدد محسوب ومخاطر إقليمية

زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أرض الصومال: تمدد محسوب ومخاطر إقليمية

إسقاط مادورو: إسرائيل المستفيد الأكبر

إسقاط مادورو: إسرائيل المستفيد الأكبر

تابعنا على فيسبوك

شبكة مصدر الاخبارية

مصدر الإخبارية، شبكة إعلامية فلسطينية مستقلة، تُعنى بالشأن الفلسطيني والإقليمي والدولي، وتولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية بالدرجة الأولى

فلسطينيو 48 عربية وإقليمية تقارير خاصة محلية اقتصاد الأسرة الأسرى منوعات اللاجئين القدس سياسة أقلام اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لمصدر الإخبارية © 2025

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
BandoraCMS  Powered By BandoraCMS
سيتم تحسين تجربتك على هذا الموقع من خلال السماح بملفات تعريف الارتباط.