زياد حلبي .. صحفي وكاتب فلسطيني
نشر الصحفى والكاتب زياد حلبي على صفحته عالفيسبوك
في أوقات الاضطراب الدولي، نادراً ما تكون الكلمات بريئة. وحين يصدر حديث عن “حق توراتي” في لحظة احتدام سياسي، فالأرجح أننا لا نكون أمام نقاش لاهوتي، بل أمام محاولة لإضفاء شرعية فوق-سياسية على وقائع يجري تثبيتها على الأرض. من هنا اكتسب تصريح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي وزناً خاصاً، حين قال إن لإسرائيل حقاً توراتياً في السيطرة على كامل الشرق الأوسط، مضيفاً أنه إذا تحقق ذلك فسيكون “أمراً ممتازاً”. هذه اللغة، حين تصدر عن دبلوماسي في موقع رسمي، لا يمكن التعامل معها كاجتهاد شخصي عابر، بل كمؤشر على مزاج أيديولوجي آخذ في التمدد داخل دوائر مؤثرة.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حاول النظام الدولي أن يضع حداً فاصلاً بين النصوص المقدسة وخرائط السيادة. فالميثاق الأممي وما تلاه من تطور في الفقه الدولي استقر على قاعدة واضحة: السيادة تُكتسب بالاعتراف الدولي وبحق تقرير المصير، لا بالاستناد إلى سرديات دينية بعيدة. ولهذا فإن القول إن النص الديني يمنح ملكية سياسية يصطدم بالبنية القانونية التي حكمت العلاقات الدولية طوال العقود الثمانية الماضية. النص قد يؤسس لهوية، لكنه — في ميزان القانون — ليس صك ملكية.
غير أن السياسة لا تسير دائماً في خط موازٍ للقانون. وهنا تظهر العقدة الأهم: ما نشهده ليس مجرد حضور للدين، بل صعود لما يمكن تسميته بالغيبية السياسية — أي تحويل مفاهيم الوعد والخلاص والنبوءة إلى أدوات في الصراع المعاصر. في الولايات المتحدة، يتقدم اليمين المسيحي الإنجيلي منذ عقود وهو يرى في إسرائيل جزءاً من سردية عقائدية أوسع، وقد نجح هذا التيار في التحول إلى قوة انتخابية ضاغطة داخل المعادلة الأميركية. وفي إسرائيل نفسها، يتقاطع هذا المزاج مع يمين استيطاني ديني يرفع بدوره رايات الخلاص التاريخي، ويستحضر مفردات القدر والوعد في النقاش حول الأرض والسيادة.
ويستند جزء من الحماس الإنجيلي لإسرائيل إلى قراءة لاهوتية تُعرف في الأدبيات الغربية بعقيدة “التدبيرية” أو النبوءات الأخيرة، حيث يؤمن قطاع من الإنجيليين بضرورة تجميع اليهود في أرض إسرائيل تمهيداً لعودة المسيح. غير أن هذه القراءة، في صيغها الكلاسيكية، تفترض في نهاياتها تحوّلاً دينياً لليهود إلى المسيحية أو مواجهة خطر الإبادة ، وهو بُعد لاهوتي معقّد يجري غالباً تجاهله في الخطاب السياسي اليومي، لكنه يظل حاضراً في الخلفية الفكرية لبعض التيارات الإنجيلية. أهمية هذه النقطة ليست في بعدها العقدي بقدر ما هي في كشف الطبيعة المركبة للتحالف القائم، حيث تتقاطع حسابات سياسية آنية مع تصورات دينية بعيدة المدى لا تتطابق بالضرورة في غاياتها النهائية.
وهنا يبرز السؤال الأوسع: هل أصبح الخطاب الديني خطاباً عالمياً
القراءة الدقيقة تقول إننا لا نعيش عولمة للدين بوصفه بديلاً عن الدولة الحديثة، لكننا نشهد بلا شك عولمة لاستخدام الدين في السياسة. فخلال العقدين الأخيرين تصاعد حضور المرجعيات الدينية في الخطاب السياسي عبر أكثر من جغرافيا من اليمين الإنجيلي في الولايات المتحدة إلى القومية الهندوسية في الهند إلى استدعاء الأرثوذكسية في الخطاب الروسي وصولاً إلى تيارات دينية سياسية في الشرق الأوسط. المشترك بين هذه الحالات ليس وحدة العقيدة بل وحدة الوظيفة الدين يعود كلغة تعبئة وهوية وحد فاصل في صراعات السلطة. ويُضاف إلى ذلك اتجاه أوسع يتمثل في أن العالم ككل بات أكثر شعبوية في خطابه السياسي وأكثر التصاقاً بالهويات الجمعية ذات الطابع الديني عبر أديان مختلفة.
وفي هذا السياق تبرز ملاحظة تحليلية لا يمكن تجاهلها الخطاب الديني حين يصدر من تيارات يهودية صهيونية أو إنجيلية محافظة في الغرب يقرأ غالباً ضمن إطار الهوية أو القناعة الأيديولوجية بينما يعامل خطاب ديني سياسي ذي مرجعية إسلامية حتى في صيغ غير عنيفة بدرجة أعلى من الارتياب والتأطير الأمني في الخطاب الغربي خصوصاً منذ مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. هذه ملاحظة توصيفية في الأدبيات السياسية والإعلامية لكنها تكشف كيف يتأثر استقبال الخطاب الديني بسياقات القوة والصورة الذهنية المتراكمة لكل طرف.
المفارقة التي تتكرر في أكثر من ساحة أن هذا الخطاب يعامل بمرونتين مختلفتين. حين يصدر عن طرف يمتلك قوة سياسية وعسكرية تحمي روايته يقدم باعتباره تعبيراً عن هوية تاريخية. أما حين يصدر عن طرف أضعف فينظر إليه بوصفه تهديداً أيديولوجياً. المعيار الفعلي لم يكن يوماً قداسة النص بل ميزان القوة الذي يقف خلف تفسيره.
وتزداد الصورة تعقيداً حين تقارن السردية الدينية بالوقائع الديموغرافية الحديثة. فقيام الدولة العبرية في القرن العشرين ارتبط إلى حد كبير بموجات هجرة سياسية حديثة من أوروبا الشرقية وروسيا وهو ما خلق توتراً بنيوياً بين نص قديم وواقع حديث. هذا التوتر هو أحد مفاتيح استمرار الصراع لأنه يضع الشرعية التاريخية المتخيلة في مواجهة الشرعية القانونية المعاصرة.
والمفارقة التي قد تلوح في الأفق ليست في توقيت التهدئة بل في توقيت الانفجار نفسه. فإذا اندلعت مواجهة عسكرية مع إيران متزامنة مع عيد المساخر اليهودي البوريم، مطلع الأسبوع المقبل،فإن باب التأويل الرمزي سيفتح على مصراعيه في بعض الأوساط الفكرية والإعلامية داخل إسرائيل. فهذا العيد، المرتبط بسفر إستير وسردية هزيمة الوزير الفارسي هامان ونجاة اليهود من تهديد وجودي، يحمل في الوعي الديني دلالات كثيفة. وفي مناخ سياسي مشحون بالرموز، قد يسارع بعض الكتّاب إلى إسقاط تلك الحكاية القديمة على واقع جديد، بل وربما إلى استدعاء صورة كورش الكبير، الحليف التاريخي لليهود في الرواية الدينية، بوصفه رمزاً لدورات تاريخية يعاد تخيلها أكثر مما يعاد إنتاجها فعلياً.
ولو جرى اختبار المنطق نفسه في اتجاه معاكس كما في المثال النظري المتعلق بالأندلس، مثلاً، ووجود المسلمين فيها لظهر سريعاً أن النظام الدولي المعاصر لا يقبل إعادة فتح خرائط التاريخ على أساس وقائع مضى عليها قرون. فالقواعد التي استقرت بعد 1945 قامت أصلاً لمنع هذا الباب بعدما دفع العالم ثمناً باهظاً لحروب استندت إلى روايات الماضي. غير أن التطبيق العملي لهذه القواعد ظل انتقائياً في أكثر من حالة وهو ما أبقى الجدل مفتوحاً.
الخلاصة أن العالم لا يشهد انتصاراً للدين على السياسة بقدر ما يشهد تدويل استخدام الدين في الصراع السياسي. تصريح هاكابي ليس سوى التعبير الأكثر صراحة عن هذا الاتجاه نصوص تستدعى لتمنح شرعية أخلاقية واسعة السقف بينما الذي يحسم الوقائع على الأرض يظل ميزان القوة والتحالفات والمصالح. وفي المشهد الراهن قد تتكاثر مفردات الوعد والخلاص في الخطاب العام لكن التجربة التاريخية تقول إن الخرائط لا يعيد رسمها النص بل من يملك القدرة على فرض تفسيره في لحظة توازن مختل.