رغم الصورة الراسخة عن انقسام المجتمع الإسرائيلي، تكشف التطورات الأخيرة عن مستوى غير مسبوق من التوافق الداخلي في عدة قضايا، أبرزها ملفات الحرب على غزة، وموقع حركة حماس، ومستقبل القطاع بعد اتفاق وقف إطلاق النار.
ووجاء في تقرير لمجلة فورين بوليسي الأمريكية، أنه على الرغم من الاستقطاب السياسي والاجتماعي، يتفق الإسرائيليون – وفق رصد ميداني داخل تل أبيب والقدس – على مجموعة قضايا أبرزها ضرورة تجنيد الحريديم، والضيق من أعمال البنية التحتية المتواصلة، والأهم: تأييد واسع لتمسّك الجيش الإسرائيلي بخط الانتشار الجديد داخل غزة المعروف بـ"الخط الأصفر".
خشية من دولة فلسطينية
التقرير يشير إلى حالة إجماع كبيرة لدى الإسرائيليين برفض إقامة دولة فلسطينية في الظروف الحالية، خوفاً من أن تتحول إلى منصة لتهديد إسرائيل. كما أثار قرار مجلس الأمن الأخير قلقاً واضحاً لدى مسؤولين إسرائيليين، بعد تضمينه إشارة إلى إمكانية التقدم نحو حل سياسي ودولة فلسطينية عقب تنفيذ مراحل خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
فشل خطة نزع سلاح حماس
وبحسب التحليل، يرى الإسرائيليون أن "حماس" خرقت اتفاق وقف النار منذ البداية، خاصة بعد عدم تسليم جثث رهائن لا تزال محتجزة في غزة، ورفضها تنفيذ البنود المتعلقة بنزع السلاح. كما تتصاعد قناعة داخل إسرائيل بأن الحركة أقنعت الوسطاء، ومن بينهم قطر وتركيا، بأنها ستلتزم بالاتفاقات، وهو ما لم يتحقق عملياً.
الخط الأصفر يتحول إلى واقع دائم
توقف التقرير عند مخاطر تحوّل "الخط الأصفر"، الذي يقسّم غزة فعلياً بين منطقة تسيطر عليها إسرائيل وأخرى تحت سيطرة حماس، إلى واقع طويل الأمد يشبه ما حدث في "المنطقة ج" بالضفة الغربية بعد اتفاقيات أوسلو.
فوفق التحليل، يحافظ الجيش الإسرائيلي على تمركزه على الخط، بل ويضع علامات عسكرية خارج نطاقه في بعض المواقع، ما يعزز مخاوف تكريسه كحد فعلي جديد.
غياب القوة الدولية يعطّل خطة ترامب
وتواجه خطة ترامب المكوّنة من 20 بنداً عراقيل كبيرة، إذ لم يتم نشر أي قوة دولية لتثبيت الاستقرار، كما ترفض دول عربية رئيسية المشاركة في مهمة لنزع سلاح "حماس" أو تحمل تكاليف إعادة الإعمار في حال استمرار نفوذ الحركة. هذه الظروف، بحسب التقرير، تجعل تنفيذ الخطة شبه مستحيل في الوقت الحالي.
فرصة للمستوطنين… وفخ لإسرائيل
يرى المستوطنون – خاصة الذين أُجلوا من غزة عام 2005 – أن السيطرة الإسرائيلية على أي جزء من غزة تمثّل مكسباً استراتيجياً، وقد يدفع ذلك خلال الفترة المقبلة نحو توسع استيطاني شرق الخط الأصفر.
لكن التقرير يحذّر في المقابل من أن هذا الواقع "فخّ أمني"، يعيد إنتاج مشهد ما بعد 1967: احتلال متواصل، وتصاعد للعنف، وتآكل في الشرعية الدولية.
خلاصة
يخلص التحليل إلى أن التمسك الإسرائيلي بالخط الأصفر يوفر شعوراً مؤقتاً بالأمن، لكنه يفتح الباب أمام واقع سياسي وأمني معقد، يعيد غزة إلى دائرة التوتر الدائم، ويهدد بجعل الوضع الحالي أكثر ترسخاً مما كان مقصوداً في الأصل.