سبب اضافي يجعل الحكومة تمدد الحرب .. “صمود الاقتصاد”

ترجمات – مصدر الإخبارية

تلخيص

قبل عدة أيام، اجتمع في أحد مباني المكاتب في تل أبيب عدد من العقول لمحاولة فك لغز صمود الاقتصاد الإسرائيلي خلال الحرب الطويلة والمكلفة في تاريخ الدولة. كيف يمكن أن يقف الاقتصاد على قدميه، على الرغم من أن الحرب تكلفت حتى الآن أكثر من 200 مليار شيكل بشكل مباشر، بالإضافة إلى مئات المليارات في السنوات القادمة المخصصة لزيادة ميزانية الدفاع وسداد الديون؟ كيف يعقل أن الشاقل يقوى، وأن البورصة قفزت بعشرات النسب المئوية منذ 7 أكتوبر، وأن البطالة منخفضة، وإيرادات الدولة أعلى بكثير من التقديرات؟

فهم هذا اللغز أمر مهم لرؤية الواقع كما هو، وللتأكد من أننا لا نفوت شيئًا، وللفهم الصحيح للفجوة بين التوقعات المتشائمة والواقع الفعلي. وفي الوقت نفسه، الحرب تطول لأسباب سياسية وأمنية متعددة، لكن ربما هناك سبب اقتصادي أيضًا: طالما أن الاقتصاد مستقر، والأسواق لا تنهار، والأشخاص لديهم وظائف، فلا توجد حاجة اقتصادية تدفع الحكومة لإنهاء الحرب. يشبه هذا ما حدث بعد تطوير منظومة القبة الحديدية — فقد حلت مشكلة صعبة وجعلتنا نتعلم التعايش مع المشكلة، وفي الواقع أيضًا أطالت فترات الحرب. نفس الأمر ينطبق على الاقتصاد والأسواق: طالما أنها تعمل، الحكومة تتعايش مع الإغلاق المتكرر لمطار بن غوريون، واستدعاء عشرات آلاف الجنود الاحتياطيين، ومليارات إضافية لميزانية الدفاع وزيادة الدين والعجز. الأسواق لا تعاقب الحكومة على استمرار الحرب، فلماذا تتوقف؟

قبل الاحتفال بأداء الاقتصاد، يجب النظر إلى أضرار الحرب. فهي ليست صغيرة: مستوى المعيشة (المقاس حسب الناتج المحلي للفرد) انخفض في 2023 و2024، ونحن نقترب بسرعة من حالة قد لا يرتفع فيها مستوى المعيشة هذا العام، وربما ينخفض. هذا قد لا يكون كارثة كبيرة، لكن إذا أضفنا التأثير على جودة الحياة (إنذارات القصف، الغرف المحصنة، الصواريخ، الضغوط النفسية، الأخبار السيئة) فإن الثمن يكون ثقيلًا.

ثانيًا، الحكومة تمول هذه الحرب عبر زيادة الدين القومي بمئات المليارات من الشواكل، وسيأتي وقت يتوجب فيه البدء بسداد هذا الدين. كيف نقلل الدين؟ برفع الضرائب وتقليص الخدمات الاجتماعية والمدنية.

ثالثًا، فشل 7 أكتوبر خلق واقعًا أمنيًا جديدًا وربما أيضًا تصورًا مختلفًا للأمن، مما سيستدعي زيادة ميزانيات الدفاع في السنوات القادمة بعشرات المليارات سنويًا، وإذا أضفنا لذلك دفع فوائد الدين (التي زادت أيضًا بسبب خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل)، فالمعنى هو أموال أقل للأشياء الأخرى — والمزيد للدفاع وسداد الديون. هذا يعني أن التأخر في البنية التحتية سيستمر، وأن التعليم لن يتحسن، وأن غلاء المعيشة سيبقى مرتفعًا، والإنتاجية ستظل منخفضة.

هل هناك سبب للاحتفال بأداء الاقتصاد والأسواق؟ أولًا، الحرب شيء سيء جدًا، لكن ليس للجميع. هناك من يستفيد منها: الصناعات الدفاعية التي تحقق أرقامًا قياسية في الطلبات والمبيعات؛ النشاط التجاري المحلي الذي يستفيد من بقاء الإسرائيليين في الداخل، لأن السفر مكلف وشركات الطيران الأجنبية قلصت نشاطها؛ البنوك تحقق أرباحًا ضخمة لأن الوضع الهش يمنع خفض الفائدة، مما يزيد أرباحها. كما يستفيدون من قيام الحكومة بتعويض الشركات والمهجرين ومكافأة الاحتياطيين، وكل هذه الأموال تعود إلى النشاط الاقتصادي دون زيادة الديون المعدومة في ميزانيات البنوك. معظم شركات مؤشر تل أبيب 35 لم تتأثر وربحها حتى من الحرب — بنوك، شركات طاقة، عقارات، تكنولوجيا عالية، وصناعات دفاعية. لا سبب لديها للشكوى.

تقوية الشاقل مرتبطة ببنية الاقتصاد الإسرائيلي: هاي تك قوي، بالإضافة إلى عائدات تصدير الغاز والتصدير الدفاعي، التي تضخ دولارات تُحوَّل لشواكل وتقوي العملة المحلية. في بداية الحرب، ضعف الشاقل بشكل كبير وتداول عند 4.08 شاقل مقابل الدولار، مما اضطر بنك إسرائيل للتدخل وبيع حوالي 8 مليارات دولار، ما أعاده لمستوى ما قبل الحرب. التقوية الإضافية للشاقل إلى المستوى الحالي (3.35 شاقل للدولار) كانت بعد الحرب مع إيران في يونيو، واعتُبرت خطوة تقلل المخاطر قصيرة المدى.

معظم هذه البيانات الإيجابية تُظهر منطقًا في ما يبدو “جنون الحرب”: الحرب ليست فقط مكلفة، بل تولد المال؛ هناك أيضًا فرص تجارية (صافي أرباح شركة إل عال في 2024 أعلى من إجمالي أرباحها خلال 15 عامًا قبلها)؛ وبنية الاقتصاد الإسرائيلي تساعد على الصمود حتى في ظروف حرب طويلة.

هذه نتيجة مشجعة من جهة — لا أحد يريد انهيارًا اقتصاديًا — لكنها مقلقة من جهة أخرى: فهي تعطي الحكومة شعورًا بأنها تقوم بالشيء الصحيح، رغم أن معظم البيانات الإيجابية نتيجة بنيوية للاقتصاد، وليس لسياسة مدروسة. ومن هذا الشعور، تظهر سبب آخر لإطالة الحرب: يمكن احتلال غزة، استدعاء المزيد من الاحتياطيين، منحهم مكافآت ضخمة، وإنفاق المزيد من المليارات على المساعدات الإنسانية لغزة، ولن يحدث شيء.

الاقتصاد صامد، لكن الثمن يتراكم. ليس فقط التكلفة المباشرة لاستدعاء الاحتياطيين والتسليح، بل أيضًا احتمال أن يؤدي احتلال غزة إلى تفاقم العقوبات على الاقتصاد الإسرائيلي. خطوات مثل قرار صندوق الثروة النرويجي بتصفية استثماراته في الشركات الإسرائيلية ستصبح أكثر شيوعًا. وكلما كان التوغل في غزة أعمق وأطول، كانت الأضرار أكبر.

لكن في الاقتصاد، كما في الحياة، افتراض أن ما كان سيبقى كذلك هو وصفة للكوارث. الاقتصاد صامد، لكن الأسعار تتراكم. ليس فقط التكلفة المباشرة لاستدعاء الاحتياطيين والتسليح، بل احتمال توقف التعاون مع عملاء وموردين ومؤسسات دولية في أوروبا، وهو أمر خطير وقد يحدث بسرعة قاتلة. هذه حرب غير متماثلة، والمشاهد القادمة من غزة، وأيضًا في حال احتلال المدينة، لن تترك العالم غير مبالٍ.

الطريقة السهلة للعالم لمعاقبة إسرائيل هي عبر المال. من المرجح أن تستمر الدول التي تحتاج القبة الحديدية أو أسلحة أخرى في شرائها من إسرائيل، لأن أوروبا تتسلح بسبب الحرب في أوكرانيا. لكن خطوات مثل تصفية صندوق الثروة النرويجي لاستثماراته في الشركات الإسرائيلية ستزداد، وكلما كان التدخل الإسرائيلي في غزة أعمق وأطول، كانت الأضرار أكبر. يقول البروفيسور مانويل تراختنبرغ إن المنتج الإسرائيلي الرئيسي هو “العقل”، ويبدو أن هذا مطلوب بشدة في إدارة الأزمة في غزة. لقد أثبتنا بالفعل أن لدينا القوة.

ملاحظة:

التصور السائد في الحكومة حول الاقتصاد هو: حذرتم، خوّفتُم، هددتم بأن الاقتصاد سينهار، ولم يحدث شيء. هذا نهج يركز على الحاضر، وليس على المستقبل الذي قد يشمل هجرة المزيد من العقول والكفاءات، المزيد من العقوبات، ميزانيات أكبر للجيش وأقل للبنية التحتية والتعليم، وخطر كبير أن تُنظر إسرائيل — التي بدأت تُعتبر سامة بالفعل — كمالك مباشر ومسؤول عن حياة ورفاهية 2 مليون غزي. هذا سيجعل إسرائيل “مقوَّرة”. لا ينبغي السماح للبورصة والشيكل أن يخفي هذه المخاوف الكبيرة.

ذا مركر / هارتس

ترجمة: مصطفى إبراهيم