تراجع حاد في معدلات الولادة بالمجتمع العربي خلال 2025.. ما الأسباب؟
يرى القاضي زحالقة أن "معدلات الولادة في المجتمع العربي تتأثر بشكل مباشر بالطلاق، ولا سيما عندما يحدث بين الأزواج الشبان الذين لم يمضِ على زواجهم سوى عام إلى 4 أعوام". ومن أبرز الأسباب لانخفاض نسب الولادة "الحداثة والعصرنة".

سجّلت معدّلات الولادة في المجتمع العربي داخل البلاد، خلال النصف الأول من العام 2025، تراجعًا استثنائيًا يُعتبر الأشد منذ عقد كامل، وذلك وفقًا لمعطيات دائرة الإحصاء المركزية.
وكشفت المعطيات عن فجوة جديدة بين معدّل الولادات في المجتمعين العربي واليهودي، حيث ارتفعت الولادات في المجتمع اليهودي قليلًا، في حين شهد المجتمع العربي انخفاضًا حادًا، وذلك بعد سنوات شهدت تقاربًا في التراجع التدريجي بين الطرفين.
وتبرز هذه الفجوة بوضوح عند مقارنة الأرقام بمتوسط السنوات الثلاث السابقة، إذ كان المعدّل مستقرًا نسبيًا، بينما سجّل المجتمع العربي في العام 2025 هبوطًا حادًا، ولم تعد نسب الولادة فيه أعلى من نظيرتها في المجتمع اليهودي.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة، إذا ما استمرت، في أنها قد تؤدي إلى تحوّل ديموغرافي في نسب الولادة بين العرب واليهود، ما سيؤثر، بلا شك، على الواقع اليومي والاجتماعي والسياسي للمجتمع العربي.
زحالقة: الطلاق والحداثة أبرز أسباب تراجع نسب الولادة في المجتمع العربي
وفي حديث لـ”عرب 48″ مع قاضي محكمة الاستئناف الشرعية، د. إياد زحالقة، حول أبرز مسبّبات انخفاض معدّل الولادات في المجتمع العربي وعلاقتها بارتفاع حالات الطلاق، والتي بلغت 4020 حالة خلال عام 2024 بزيادة تُقدّر بنحو 13%، قال زحالقة: “مسألة معدلات الولادة في المجتمع العربي تتأثر بشكل مباشر بالطلاق، ولا سيما عندما يحدث بين الأزواج الشبان الذين لم يمضِ على زواجهم سوى عام إلى أربعة أعوام. هذا الواقع ينعكس بوضوح على نسب الولادة داخل المجتمع العربي، وإن كانت هناك أسباب أخرى أيضًا”.
وأضاف زحالقة: “من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى انخفاض نسب الولادة هي الحداثة والعصرنة؛ حيث باتت العائلة المعاصرة تركّز على اهتمامات خاصة بحياة الزوجين، وعلى الفردانية، ومكانة العائلة داخل المجتمع ومدى ارتباطها بالمنظومة التقليدية. هذه التحولات الفكرية التي تبناها المجتمع المعاصر تركت أثرًا واسعًا على مفاهيمنا الاجتماعية والعائلية، ولها النصيب الأكبر في التأثير على نسب الولادة، خاصةً أن الطلاق أصبح جزءًا من هذه المنظومة الفكرية الحديثة التي أثّرت على حياتنا وتعاملنا مع قضايانا العائلية والاجتماعية”.
وبخصوص أثر عدم استقرار العلاقة الزوجية على الإنجاب، يشير القاضي إلى أن “هشاشة العلاقة الزوجية تؤثر على قرارات الأزواج الشابة فيما يتعلق بالإنجاب وتحديد النسل. فالإنجاب لم يعد مرتبطًا بالطلاق وحده، بل بأنماط تفكير معاصرة تُكرّس مكانة الفرد واهتمامه بذاته، وبمستقبله المهني والشخصي وأهدافه الخاصة، أكثر من تركيزها على العائلة والأبناء والأنماط التقليدية. هذا كله انعكس على مفهوم العائلة ومكانتها، وعلى طبيعة الارتباط بين الزوجين، ومدى اهتمامهما بتكوين أسرة تضم عدة أبناء”.
وبشأن ارتفاع نسبة العازبين وآثارها، يقول زحالقة: “ظاهرة العزوبية باتت بارزة بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة في المجتمع العربي، إذ أصبحت نسبة لا بأس بها من الشباب، ذكورًا وإناثًا، تختار عدم الزواج، بعدما كان العزوف عن الزواج يُعد شذوذًا اجتماعيًا في السابق. كما ظهرت توجهات معاصرة لدى بعض الأزواج الذين يقررون عدم الإنجاب رغم الزواج، مفضلين استثمار حياتهم في ذواتهم وسعادتهم الشخصية بدلًا من الاستثمار في الأبناء، وهو ما يعكس منظومة فكرية جديدة تتناقض مع التصور الديني والاجتماعي التقليدي”.
ويؤكد أن “هذه العوامل مجتمعة أدت إلى إضعاف مكانة العائلة وتماسكها، وبالتالي إلى انخفاض نسب الإنجاب، وهو ما يتعارض مع المفاهيم الدينية التي تشجّع على التكاثر، إذ يُنظر إلى الإنجاب باعتباره جزءًا من مقاصد الشريعة، لا سيما حفظ النسل من أجل استمرار البشرية والدين والمجتمع”.
ويختم زحالقة حديثه بالإشارة إلى التحولات التي بدأت تتكشّف في ظل التغييرات والظواهر التي يشهدها المجتمع، قائلا إن “كل هذه التحولات تؤثر في البنية الاجتماعية العربية، التي تشهد انتقالًا سريعًا من مجتمع تقليدي محافظ قوي البنية ومتماسك، إلى مجتمع معاصر أضعف في تركيبته الاجتماعية وأقل تأثيرًا. هذا التحوّل يفرز أزمة اجتماعية حقيقية تنعكس على الديموغرافيا العربية مستقبلًا، من خلال تراجع الولادات، وتزايد حالات الطلاق، والعزوف عن الزواج”.
المصدر: عرب 48