وكالات - استعادت أسعار النفط اتجاهها الصعودي، متجاوزة مستوى 100 دولار للبرميل مجدداً، بعدما تعافت من موجة بيع حادة شهدتها الأسواق في أعقاب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وسط استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الحرب في الشرق الأوسط وفرص التوصل إلى تسوية تنهي الصراع وتعيد حركة الملاحة بصورة كاملة عبر مضيق هرمز.
وارتفع سعر خام برنت بنسبة 1.77% خلال تعاملات الجمعة، ليعود فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بعدما أنهى جلسة الخميس على مكاسب قاربت 4%، في ظل تذبذب ملحوظ في تحركات الخام خلال الأسبوع.
ورغم هذا التعافي، تتجه العقود الأقرب استحقاقاً لخام برنت نحو تسجيل خسارة أسبوعية تقارب 15%، في أكبر تراجع أسبوعي محتمل منذ أبريل 2020، بعدما تأرجحت الأسعار ضمن نطاق سعري بلغ نحو 19 دولاراً منذ بداية الأسبوع.
وتعكس التحركات الحادة في سوق النفط تضارب رهانات المستثمرين بين احتمالات انتهاء الحرب وتراجع المخاطر الجيوسياسية من جهة، واستمرار اضطرابات الإمدادات وتهديدات الملاحة البحرية في منطقة الخليج من جهة أخرى.
مفاوضات إيران ومضيق هرمز تحت مجهر أسواق النفط
تترقب أسواق الطاقة مسار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات بشأن الشروط التي تطالب بها طهران قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الملاحة الدولية.
وتشترط إيران رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على موانئها، وتخفيف العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن أصولها المالية المجمدة، ضمن مطالبها المرتبطة بالتوصل إلى تسوية أوسع للصراع.
ورغم هذه الخلافات، ظهرت مؤشرات على استمرار المساعي الدبلوماسية، بعدما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن طهران تدرس مقترحات قدمها الوسطاء بشأن برنامجها النووي، في تطور قد يعزز فرص التوصل إلى تفاهمات تحد من احتمالات استئناف المواجهة العسكرية الشاملة.
وتأتي هذه التحركات في إطار جهود تقودها أطراف إقليمية، من بينها قطر، للحيلولة دون تجدد التصعيد العسكري، وتهيئة الظروف أمام اتفاق يضمن خفض التوترات وإعادة فتح الممرات البحرية الحيوية.
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي اتفاق بشأن إعادة فتحه بصورة كاملة قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط، من خلال تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية التي ارتفعت خلال فترة الحرب.
خيارات ترمب بشأن إيران تحدد اتجاه الأسعار
تأتي التطورات الأخيرة بعد موجة صعود شهدتها أسعار النفط خلال أكتوبر، عندما سجل خام برنت أعلى مستوى له في ستة أشهر، بالتزامن مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستئناف الضربات العسكرية على إيران.
لكن الموقف الأميركي شهد قدراً من ضبط النفس خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع التغيرات السياسية التي أفرزتها انتخابات التجديد النصفي وسيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، وهو ما قد يحد من قدرة الإدارة الأميركية على المضي في عمليات عسكرية جديدة.
وقال بافل مولتشانوف، المحلل لدى شركة «ريموند جيمس آند أسوسيتس»، إن العامل الأكثر أهمية بالنسبة لأسواق النفط يتمثل في مدى استعداد البيت الأبيض لتغيير استراتيجيته تجاه إيران.
وأوضح أن التوصل إلى تسوية دبلوماسية دائمة تضمن إعادة فتح مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الانخفاض، مع تراجع المخاوف المرتبطة بإمدادات الخام العالمية، لكنه شدد على ضرورة التعامل بحذر مع احتمالات التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي سياق متصل، عقد ترمب اجتماعاً مع مستشاريه للأمن القومي، الخميس، لمناقشة تطورات الملف الإيراني، وذلك خلال اجتماعه الاستخباراتي الأسبوعي، وفقاً لما أورده موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤولين أميركيين لم يكشف عن هوياتهم.
وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأميركي يدرس ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع طهران، تشمل تنفيذ ضربات عسكرية جديدة، أو مواصلة الضغوط الاقتصادية بهدف إضعاف إيران، أو التوصل إلى اتفاق يتضمن تقديم تنازلات كبيرة للجانب الإيراني.
وتزيد هذه الخيارات من حالة الترقب في أسواق الطاقة، إذ يختلف تأثير كل مسار على الإمدادات والأسعار، خصوصاً أن أي تصعيد عسكري جديد قد يعيد المخاوف بشأن الملاحة في مضيق هرمز، بينما قد يؤدي الاتفاق السياسي إلى تخفيف الضغوط على الإمدادات وعودة الأسعار للانخفاض.
تعافي صادرات النفط الخليجية يضغط على الأسعار
بالتوازي مع التطورات السياسية، بدأت صادرات النفط الخام من منطقة الخليج العربي إظهار مؤشرات على التعافي، رغم الهجمات المتكررة التي استهدفت السفن العابرة لمضيق هرمز خلال فترة الحرب.
وساهم تحسن تدفقات الخام في زيادة المعروض المتاح للأسواق، ما دفع السعودية إلى خفض أسعار البيع الرسمية للمشترين في آسيا، في خطوة تعكس احتدام المنافسة بين المنتجين على الحصص السوقية، مع عودة جزء من الإمدادات الخليجية إلى الأسواق العالمية.
وجاءت تخفيضات الأسعار السعودية بعدما كانت مستويات البيع للمشترين الآسيويين عند أدنى مستوياتها في ست سنوات، وفقاً للتطورات التي رصدتها الأسواق.
ويشير هذا التحرك إلى أن المنتجين الخليجيين يسعون إلى تعزيز قدرتهم التنافسية واستعادة حصصهم لدى كبار المستهلكين، خصوصاً في آسيا، مع تحسن تدفقات النفط الخام وتغير موازين العرض والطلب.
لكن تعافي صادرات الخام لا يعني انتهاء اضطرابات الإمدادات النفطية بالكامل، إذ لا تزال صادرات المنتجات النفطية المكررة من الخليج تواجه قيوداً، ما يبقي جانباً من الضغوط قائماً على أسواق الوقود العالمية.
الهجمات على المصافي الروسية تزيد ضغوط الإمدادات
لم تقتصر التحديات التي تواجه سوق الطاقة على التطورات في منطقة الخليج، إذ ساهم تصاعد الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية في زيادة الضغوط على إمدادات المنتجات النفطية المكررة، بالتزامن مع استمرار القيود المرتبطة بحركة الصادرات من المنطقة العربية.
وأدت هذه الاضطرابات إلى دعم أسعار بعض المنتجات النفطية، رغم التحسن النسبي في تدفقات الخام من الخليج العربي، وهو ما يعكس اختلاف أوضاع العرض والطلب بين سوق النفط الخام وأسواق المشتقات والوقود.
وفي محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، أبرم الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفاقاً قبل انتخابات التجديد النصفي، بهدف إتاحة الديزل الروسي للأسواق العالمية.
ووفقاً لبيانات تتبع حركة السفن، كان من المتوقع وصول ناقلة محملة بالديزل الروسي إلى نيويورك يوم السبت، في تطور يعكس توجه واشنطن إلى الاستفادة من الإمدادات المتاحة لزيادة المعروض والحد من الضغوط على أسعار الوقود.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أصدرت خلال الشهر الماضي إعفاءً يسمح باستمرار تدفق الوقود الروسي إلى الولايات المتحدة حتى أبريل المقبل.
أسواق النفط بين احتمالات التهدئة ومخاطر نقص الإمدادات
تعكس التحركات الأخيرة في أسعار النفط صعوبة تحديد اتجاه واضح للسوق في ظل تداخل العوامل السياسية والعسكرية مع متغيرات العرض والطلب.
ففي الوقت الذي تدعم فيه احتمالات التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران رهانات انخفاض الأسعار، تظل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز وصادرات المنتجات النفطية والهجمات على البنية التحتية للطاقة عوامل قادرة على إعادة إشعال موجة الصعود.
كما أن تعافي صادرات الخام من الخليج وزيادة المنافسة بين المنتجين قد يحدان من المكاسب السعرية، خصوصاً إذا استمرت الجهود الدبلوماسية وجرى التوصل إلى تفاهمات تضمن استقرار حركة الملاحة.
وبين هذه العوامل المتعارضة، تظل أسعار النفط شديدة الحساسية لأي تطور يتعلق بالحرب الإيرانية أو المفاوضات الأميركية، ما يضع المستثمرين أمام سوق تتسم بتقلبات حادة، حتى مع عودة خام برنت إلى التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل.
ومن ثم، فإن الاتجاه المقبل للأسعار سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى نجاح المساعي الدبلوماسية في إنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل قدرة المنتجين على استعادة تدفقات الإمدادات وتخفيف الضغوط التي تواجه أسواق الخام والمنتجات النفطية.







