وكالات - سجلت الديون الخارجية للاقتصادات الناشئة مستوى قياسياً بلغ 9.4 تريليون دولار خلال عام 2025، في ظل تزايد احتياجات الحكومات إلى التمويل وارتفاع تكلفة الاقتراض، خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل التي تواجه أسعار فائدة عند مستويات لم تشهدها منذ ثمانينيات القرن الماضي، بحسب بيانات البنك الدولي.
وأظهرت بيانات المؤسسة الدولية أن البلدان منخفضة الدخل دفعت متوسط فائدة بلغ 8.2% على القروض الخاصة الجديدة التي حصلت عليها خلال العام الماضي، فيما ارتفع متوسط العائد على إصدارات السندات الجديدة إلى 9.4%.
في المقابل، بلغ متوسط أسعار الفائدة على إصدارات السندات الجديدة للدول النامية ذات الاقتصادات الأقوى نحو 5.5%، ما يعكس اتساع الفجوة في تكلفة التمويل بين الدول الأكثر فقراً والاقتصادات النامية الأكثر قدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال بشروط أفضل.
وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد الضغوط المالية على الحكومات منخفضة الدخل، التي باتت تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في تأمين احتياجاتها التمويلية من جهة، والقدرة على تحمل تكاليف الاقتراض المرتفعة من جهة أخرى.
ارتفاع تكلفة التمويل يضغط على الأسواق الحدودية
قال البنك الدولي، ومقره واشنطن، إن التحدي الرئيسي الذي تواجهه جهات إصدار الديون في العديد من الأسواق الحدودية لم يعد يقتصر على إمكانية الحصول على التمويل، بل أصبح مرتبطاً بصورة أكبر بقدرتها على تحمل تكلفة الائتمان المتاح.
وأوضح أن التمويل الخاص كان المحرك الرئيسي لجزء كبير من الزيادة في الديون الخارجية للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، باستثناء الصين، خلال عام 2025، إذ اقترب صافي تدفقات الديون إلى هذه الاقتصادات من 360 مليار دولار.
ويعكس هذا التطور عودة نشاط الإقراض الخاص إلى عدد من الأسواق الناشئة، لكنه يأتي في وقت ترتفع فيه تكلفة التمويل، ما يزيد الأعباء المالية على الحكومات ويحد من قدرتها على توجيه الموارد نحو الاستثمارات والمشروعات التنموية طويلة الأجل.
وفي مثال على ارتفاع تكلفة الاقتراض السيادي، جمعت جمهورية الكونغو الديمقراطية 1.25 مليار دولار في أبريل من خلال أول إصدار لها من السندات المقومة بالدولار، عبر شريحتين بعائدين بلغا 8.75% و9.5%.
ووفقاً للبنك الدولي، فإن العائدين المسجلين على الإصدار يضعانه ضمن أعلى معدلات العائد على السندات السيادية التي جرى تسجيلها حتى الآن خلال عام 2026.
إصدارات السندات تتجاوز مستويات العام الماضي
وامتدت موجة الاقتراض عبر أسواق السندات إلى عدد من الاقتصادات الناشئة، إذ أصدرت أنغولا، بحلول منتصف أغسطس، سندات تجاوزت قيمتها مثلي إجمالي ما باعته خلال عام 2025، والبالغ ملياري دولار.
كما تخطت إصدارات السندات في كل من إندونيسيا والفلبين المستويات المسجلة خلال العام الماضي، في مؤشر على استمرار اعتماد الحكومات على أسواق الدين الدولية لتلبية احتياجاتها التمويلية وإدارة التزاماتها المالية.
ويأتي التوسع في الإصدارات الجديدة رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض، ما يسلط الضوء على صعوبة الموازنة بين احتياجات التمويل والقدرة على تحمل أعباء خدمة الدين، خاصة في الاقتصادات التي تعاني محدودية الموارد المالية وارتفاع احتياجات الإنفاق العام.
البنك الدولي يحذر من تراجع الموارد المخصصة للتنمية
قال هايشان فو، كبير الإحصائيين ومدير بيانات التنمية في البنك الدولي، إن عودة الإقراض الخاص إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تمثل تطوراً إيجابياً، لكنها تتزامن مع زيادة حجم الاقتراض وارتفاع تكلفته.
وأضاف أن هذه البلدان تقترض مبالغ أكبر وتدفع فوائد أعلى، فيما يتبقى لدى كثير منها قدر أقل من الموارد المالية التي يمكن تخصيصها للتنمية طويلة الأجل.
وأشار البنك الدولي إلى أن عدداً من الحكومات يلجأ إلى إصدار سندات جديدة لإعادة شراء ديون قائمة أو إعادة توزيع مواعيد السداد على فترات زمنية أطول، بدلاً من خفض إجمالي أرصدة الدين بصورة ملموسة.
وبالتالي، فإن زيادة الإصدارات لا تعني بالضرورة تحسناً في المراكز المالية لهذه الحكومات، إذ قد تعكس في بعض الحالات عمليات إعادة تمويل للالتزامات القائمة وتأجيل استحقاقاتها، من دون معالجة جوهر مشكلة المديونية.
وحذر البنك في تقريره من أن ارتفاع الاحتياجات التمويلية وتراجع هوامش التحرك المالي قد يجعلان الاقتصادات المدينة أكثر عرضة للصدمات الخارجية، إذ تصبح قدرة الحكومات على التعامل مع الأزمات الاقتصادية والمالية محدودة عندما تكون مواردها مثقلة بالفعل بالتزامات الدين.
مبادلات العائد الإجمالي وسيلة جديدة لإدارة الديون
وفي ظل تصاعد الضغوط التمويلية، تتجه بعض الحكومات إلى استخدام أدوات مالية أكثر تعقيداً وهياكل تمويل بديلة لإدارة التزاماتها، من بينها ما يُعرف باسم «مبادلات العائد الإجمالي».
ورصد البنك الدولي زيادة استخدام هذه الأدوات منذ عام 2024 في مجموعة من الاقتصادات، شملت الأرجنتين وكولومبيا وأنغولا ونيجيريا والسنغال.
وتراوحت قيمة معاملات التمويل المرتبطة بهذه الترتيبات بين نحو مليار دولار و9.3 مليار دولار، بحسب بيانات البنك.
وتتيح مبادلات العائد الإجمالي للحكومات إمكانية الحصول على تمويل بالعملات الأجنبية بصورة سريعة، وهو ما قد يساعدها على تلبية احتياجات السيولة وإدارة بعض الالتزامات المالية، إلا أن هذه الأدوات لا تخلو من المخاطر.
وحذر البنك الدولي من أن الاعتماد عليها قد يترتب عليه تعرض الحكومات لمخاطر مرتبطة بالضمانات المالية وإعادة التمويل، إلى جانب تحديات تتعلق بالشفافية والإفصاح عن الالتزامات الفعلية.
وتعكس هذه التطورات تحولاً في أساليب إدارة الديون السيادية لدى عدد من الاقتصادات الناشئة، مع تزايد اللجوء إلى أدوات تمويل غير تقليدية لمواجهة ضغوط السيولة واستحقاقات الدين.
وفي ظل وصول الديون الخارجية للاقتصادات الناشئة إلى مستويات قياسية، وارتفاع أسعار الفائدة التي تتحملها الدول الأكثر فقراً، تبرز مخاوف من أن يؤدي استمرار الاعتماد على الاقتراض مرتفع التكلفة إلى تقليص الموارد المتاحة للإنفاق التنموي، وزيادة هشاشة الموازنات العامة أمام التقلبات الاقتصادية والصدمات الخارجية.







